هل المنطقة مُقبلة على انتهاء السلام المؤقت؟

08/07/2026

أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عن أن الاتفاق المؤقت الموقع مع إيران قد انتهى، وذلك بعدما شن الجيش الأمريكي موجة جديدة من الضربات على إيران بعد الهجوم على ثلاث سفن تجارية في المياه الإقليمية العُمانية بالقرب من مضيق هرمز، كما أكد الرئيس “ترامب” أنه لا يريد التعامل مع الإيرانيين، ووصفهم بالمرضى. فيما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” أنها نفذت سلسلة من الهجمات على إيران، واعتبرت “سنتكوم” أن الهجمات الإيرانية خطيرة ولم تكن مُبررة، وتُمثل انتهاكًا واضحًا لوقف إطلاق النار، في ذات السياق، أعلن الحرس الثوري شن هجمات على قواعد أمريكية في الكويت والبحرين.

وقد أدت مُجمل هذه التطورات إلى ردود فعل خليجية مُنددة باستهداف الأراضي الكويتية والبحرينية، واستهداف السفن والناقلات، لما تمثله من اعتداء سافر وانتهاك صارخ لسيادة البلدين، ولأمن واستقرار وسلامة المواطنين والمقيمين، وتهديد السلامة الملاحية وانسيابية التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، وتُقوض من الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى التهدئة والسلام. كما أدت إلى تأثيرات مباشرة وفورية على النفط، حيث ارتفعت أسعاره إلى أعلى مستوياتها منذ أسبوعين، لا سيما مع قيام الإدارة الأمريكية بإلغاء الترخيص الذي كان يسمح لإيران ببيع النفط، وتزايد المخاوف من احتمال الانهيار الفعلي لمسار التفاوض والسلام بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد ينتج عنه من اضطرابات متزايدة لإمدادات النفط من منطقة الشرق الأوسط.

وتُشير هذه التطورات إلى أن الخيارات العسكرية باتت لها الأولوية على الخيارات السياسية، ويُنذر بكثير من التوقعات السلبية للمشهد في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وفي منطقة الخليج بشكل خاص، حيث يعود سيناريو المواجهات مرة أخرى، لا سيما بالنسبة للبحرين والكويت، اللتان تمثلان بنكًا متجددًا للهجمات الإيرانية، وتوظف إيران هذه الهجمات في نقل رسائل عسكرية للولايات المتحدة، بل ودول المنطقة. وقد نشهد في الفترة المقبلة تلويحًا أمريكيًا بمزيج من الخيارات العسكرية والاقتصادية لفرض تكلفة باهظة على إيران، بما قد يشمل استكمال العمليات العسكرية والعودة إلى قصف المنشآت الحيوية والنووية الإيرانية، وفرض الحصار البحري لتعطيل الصادرات الإيرانية بشكل كلي، وعودة القيود الاقتصادية مرة أخرى.

كما تُشير أيضًا إلى أن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية ستبقى على المحك، في انتظار ما ستُسفر عنه التطورات الجارية أو المحتملة، فعلى الرغم من أن جولة التصعيد الراهنة تتسم بالمحدودية والحذر حتى الآن، فإن ذلك لا يمنع تفاقم الأوضاع مرة أخرى ووصول التصعيد إلى مرحلة حرجة، فقد تتجه الولايات المتحدة إلى عمل عسكري شامل، لا سيما مع ارتفاع وتيرة التنسيق الأمريكي الإسرائيلي بشكل لافت.

إن التباينات السياسية والاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتعلق بالخلافات في التكتيك، والتحركات قصيرة الأمد، وليس في الإطار الاستراتيجي للعلاقات بين الجانبين، ويُستدل على ذلك بقيام وزير الدفاع الأمريكي بزيارة إلى إسرائيل، وقرب قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” بزيارة إلى البيت الأبيض، حيث يُتوقع أن ترتبط الزيارة بحسابات الداخل الإسرائيلي، خاصةً مسار الانتخابات البرلمانية المقبلة وسعي “نتنياهو” للحصول على دعم الرئيس “ترامب” في مواجهة منافسيه، إلى جانب تقليل مساحات التجاذب في الملفات الثنائية ومتعددة الأطراف، بما فيها التعامل مع إيران والأوضاع في منطقة الخليج.

في مقابل ما يجري، يُمكن القول إن إيران تحاول تأكيد سيطرتها على مضيق هرمز أو أي ترتيبات مستقبلية بشأن الملاحة فيه، وتوظيف هذه الورقة في المحادثات مع الجانب الأمريكي، إلا أن توقف هذه المحادثات عمليًا بعد التصعيد الأخير يُعيد التركيز على مسألة أخرى تتعلق بالداخل الإيراني، فعلى الرغم من محاولات إظهار وجود تماسك داخلي ورؤية موحدة لدى مؤسسات صنع القرار الإيراني المُتعددة بشأن التفاوض مع الولايات المتحدة، فإن هناك العديد من المؤشرات حول وجود انقسام فعلي بين تيارين، أحدهما يرغب في الاستمرار في التفاوض والمسار الدبلوماسي المرن لتخفيف التأثيرات السلبية للحرب، والتركيز على إعادة بناء ما دمرته، في ظل وضع داخلي يُعاني من أزمات اقتصادية، والآخر يتبنى موقفًا أكثر تحفظًا إزاء حدود ما يمكن التنازل عنه في المفاوضات، لا سيما فيما يتعلق بالملف النووي.

ويبدو أن إيران لا تمتلك في الوقت الراهن خطة بديلة متماسكة للتعامل مع هذا التصعيد، حيث تتركز خياراتها في اللجوء إلى الصين وروسيا، لكن الشريكين لديهما أولوياتهما وملفاتهما الخاصة بهما، وبالتالي، فإن الخيارات المتبقية تكاد تنحصر في العودة إلى السياسات التي سبق أن اختبرتها إيران ونفذتها بالفعل، ونعني هنا بشكل محدد تعطيل الملاحة في مضيق هرمز والإعلان عن مساعيها لعودة تخصيب اليورانيوم مرة أخرى، في محاولة لفرض ضغوط سياسية واقتصادية على المجتمع الدولي بما قد يضمن استعادة مسار المفاوضات، أو على الأقل حدوث تهدئة من الجانب الأمريكي، ووقف عملياته العسكرية.

ختامًا، يتضح أنه عادةً ما يتمسك الأطراف المنخرطة في الملفات المأزومة في منطقة الشرق الأوسط بالخيارات العسكرية بصورة أكبر من الانخراط في المسارات السياسية، حيث أن التخلي عن مسار السلام والتهدئة بين الولايات المتحدة وإيران يعني فعليًا وجود بيئة مواتية للعودة إلى منطقة الهجمات المُباشرة المتبادلة، وهو الأمر الذي يُطيل أمد حالة عدم الاستقرار، ويُهدد جهود التنمية وتوفير سبل العيش الكريم لمجتمعات وشعوب المنطقة.

general-Tarek-abd-El-azeem
مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية والاختبارات الجدية
general-Tarek-abd-El-azeem
قراءة في مستجدات المفاوضات الأمريكية الإيرانية
general-Tarek-abd-El-azeem
تساؤلات مطروحة: ماذا بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية؟
general-Tarek-abd-El-azeem
إدارة الصراع مع إيران من المنظورين الأمريكي والإسرائيلي
Scroll to Top