أعلنت القيادة المركزية الامريكية (سنتكوم) أنها قد نفذت موجات من الضربات ضد إيران، وأشارت إلى أنها تستهدف إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية المُستخدمة في مهاجمة الشحن التجاري في مضيق هرمز. يأتي ذلك في الوقت الذي أعاد فيه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وتهديده بتوسيع نطاق الضربات على إيران لتشمل البنية التحتية، مثل محطات الطاقة والجسور، وذلك في حال عدم عودة إيران إلى طاولة المفاوضات. في المقابل، هددت إيران بأن مهاجمة بنيتها التحتية سيدفعها إلى استهداف وتدمير البُنى التحتية الحيوية في المنطقة، كما حذرت من أن استمرار الهجمات الأمريكية سيُوسع نطاق الحرب إلى ساحات جديدة.
يُشير الوقع السريع للتصعيد المتبادل إلى أن المنطقة قد عادت بالفعل إلى المراحل الأولى للمواجهات المكثفة، مثلما كان سائدًا خلال شهري مارس وأبريل 2026، ويُستدل على ذلك بتجديد إيران هجماتها على الدول الخليجية كافة، من خلال الصواريخ والطائرات المُسيرة، ولم تقتصر الهجمات على الأراضي الخليجية فحسب، بل امتدت إلى الأصول الحيوية الخليجية المتنقلة، حيث هاجمت إيران بعض ناقلات النفط والغاز الخليجية، كما تزامنت الهجمات على الدول الخليجية مع هجمات أخرى استهدفت الأردن، التي أكدت في أكثر من مناسبة أنها لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها كساحة للصراع بما يُهدد أمنها واستقرارها.
يُضاف إلى ذلك إعادة فرض الحصار البحري الذي سبق للولايات المتحدة تنفيذه في منتصف أبريل 2026، مع تأكيد أمريكي على أنه سيتم اعتراض السفن المُتجهة إلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية أو المغادرة منها، ووجود أصول عسكرية كبيرة في أنحاء المنطقة تتمثل في وجود أكثر من 20 سفينة حربية ومئات الطائرات، الأمر الذي يجعلها يقظة وقادرة على تنفيذ العمليات العسكرية. ويعني ذلك أن الضربات الأمريكية على إيران تأتي في سياق حرب استنزاف للقدرات الإيرانية، وفرض حصار اقتصادي وعسكري بدلًا من الدخول في مواجهة شاملة أو تنفيذ اجتياح بري، ووجود حرص أمريكي على استهداف أصول عسكرية إيرانية مهمة، بضربات دقيقة ومكثفة، تُلحق أضرارًا أكبر بكثير من الهجمات الإيرانية. وعلى الرغم مما يبدو من وجود رؤية أمريكية واضحة لكيفية التعامل العسكري مع إيران، فإن ذلك لا يمتد إلى كيفية إنهاء الحرب.
ومن الواضح أن مضيق هرمز قد تحول من كونه ورقة حاولت إيران توظيفها للضغط على الولايات المتحدة والحصول على مكاسب أكبر في إطار المفاوضات، إلى كونه عاملًا محفزًا للتصعيد، حيث ترغب إيران في استمرار سيطرتها وهيمنتها على المضيق وفرض رؤيتها بشأن كيفية إدارته مستقبلًا، حتى وإن تطلب الأمر استهداف سلطنة عُمان وعودة التصعيد مجددًا، في حين تطالب الولايات المتحدة بأن تتخلى إيران عن نفوذها على الممر البحري، أو فكرة فرض رسوم إلزامية على حركة الملاحة فيه.
واللافت أن فكرة الرسوم الإلزامية كانت مُغرية أيضًا للجانب الأمريكي، حيث سبق أن اقترح الرئيس “ترامب” فرض رسوم بنسبة 20 %على السفن العابرة للمضيق، لكنه تراجع عن الفكرة واستبدلها بالحصول على استثمارات من دول المنطقة داخل الولايات المتحدة، وذلك في مقابل الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في حماية المضيق وضمان استمرار حركة الملاحة. ويُشير ذلك الأمر إلى استمرار الولايات المتحدة في تعديل سياساتها بصورة متكررة وفقًا لتطورات الموقف، وليس وفق استراتيجية متماسكة.
وقد برزت متغيرات جديدة في هذه الموجة من الاستهدافات والتصعيد العسكري المتبادل، فللمرة الأولى، تستخدم الولايات المتحدة مُسيرات بحرية هجومية أُحادية الاتجاه في عملياتها القتالية، حيث جرى استهداف ميناء في قاعدة بندر عباس البحرية عبر 3 زوارق مُسيرة من طراز “كورسير Corsair”، وهو ما مثل تطورًا نوعيًا، أرادت منه الولايات المتحدة إيصال رسالة للجانب الإيراني، مفادها أن استمرار جولة التصعيد الراهنة لن يؤدي إلى إرهاق مادي كبير للولايات المتحدة أو مخاوف من وقوع خسائر بشرية، كما أن لديها القدرة على دمج التقنيات الحديثة في نُظم التسلح المختلفة، وبالتالي فإنها أصبحت أكثر قدرة على إدارة العمليات القتالية بمرونة كافية، خاصةً أن لديها تشكيلات قتالية فعلية من النُظم غير المأهولة المختلفة.
إلى جانب ذلك، فقد كشف الاستهداف الإيراني لسلطنة عُمان عن وجود توتر بين الجانبين، ففي الوقت الذي ترغب فيه إيران بإحكام سيطرتها على مضيق هرمز وفرض رسوم إلزامية على حركة السفن، فإن سلطنة عُمان تتبنى نهجًا معتدلًا ومسئولًا، يقوم على حرية الملاحة عبر المضيق مع إمكانية وجود رسوم ولكن غير إلزامية، وترتبط بتقديم خدمات فعلية، مثل السلامة الملاحية وحماية البيئة. وتتمثل خطورة هذا الأمر في صعوبة احتواء مظاهر التصعيد الراهنة أو تعطل مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ذلك أن سلطنة عُمان مثلت خط الدفاع الأخير لحماية المفاوضات، نظير سياستها الخارجية الهادئة والمتزنة، وعلاقاتها الوثيقة مع الجانب الإيراني، لكن استهدافها يعني أن التيار المتشدد في إيران أصبح يُهمين على جانب كبير من عملية صنع القرار الاستراتيجي.
ختامًا، يمكن القول إن الأوضاع في المنطقة تعني انفتاح المشهد مُجددًا على سيناريوهات متعددة، وترتبط تطورات الموقف بسلوك الطرفين، والقدرة على ضبط الرؤى والأهداف المتعارضة لكل منهما، لا سيما أن مذكرة التفاهم أصبحت في مساحة غير آمنة، وربما يعمل الطرفان على تجاوز بنودها في الفترة الراهنة، وتعريض مسار السلام والتهدئة بأكمله للخطر، ما لم تنجح الوساطة الباكستانية – القطرية في التحرك سريعًا، وربما نشهد دخول قوى أخرى على خط الأزمة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعقيد الأوضاع، وتكريس حالة عدم الاستقرار في منطقة الخليج، إلى جانب التأثير السلبي على الممرات المائية الأخرى، ومنها مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وتوسع الصراع إلى مناطق أخرى مأزومة بالفعل.
