مظاهر التصعيد الإقليمي ومساحات التهدئة المحدودة

22/07/2026

نفذ الجيش الأمريكي خلال الأيام الأخيرة عددًا من الضربات على إيران، والتي شملت العديد من الأصول العسكرية الإيرانية، بما شمل مراكز قيادة عسكرية، وقدرات بحرية، ومواقع لإطلاق الصواريخ والطائرات المُسيرة وتخزينها، ونُظم دفاع جوي، والبنية التحتية للخدمات اللوجستية العسكرية. وقد جاءت هذه الضربات بهدف تقويض قدرة إيران على مواصلة مهاجمة السفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز، حيث استهدفت نحو 30 سفينة تجارية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وذلك وفق ما أعلنته القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم).

وتتزامن هذه الضربات مع تأكيد أمريكي على استمرارها، حيث أشار الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إلى أنه لم يتم الانتهاء بعد من استهداف إيران، وأن إعادة بناء قدراتها العسكرية التي دمرتها الولايات المتحدة سيستغرق نحو 25 عامًا، كما هدد “ترامب” بتوسيع نطاق الاستهداف ليشمل منطقة جبل الفأس، التي تقع بالقرب من منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، وهو الأمر الذي أدى لرد فعل إيراني تمثل في التهديد باستهداف ⁠مصالح الولايات المتحدة وحلفائها إذا ما أقدمت فعليًا على مهاجمة المواقع النووية ‌الإيرانية.

ويبدو من هذا التصميم الأمريكي على استمرار العمليات العسكرية وجود هدف رئيس، وهو تدمير كل ما يمكن أن تصل إليه من أصول عسكرية إيرانية، والإنهاك الكامل لقدراتها الدفاعية، بحيث يسهل عمليًا تحقيق أهداف أخرى مؤجلة في المرحلة الراهنة، لعل من أبرزها تقويض أي قدرة عسكرية تمكن إيران من السيطرة على مضيق هرمز، وتجريدها من قدرتها على تهديد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

يأتي ذلك في ظل بروز مظاهر أخرى للتصعيد العسكري، وسط احتمالات توسعه لنطاقات جديدة، حيث أعلن الحوثيون عن فرض حظر الملاحة البحرية على السعودية، وعلى الرغم من المزاعم الحوثية بأن هذه الخطوة قد جاءت بهدف فك الحصار عن اليمن، فإنها ترتبط عمليًا وواقعيًا بالتصعيد العسكري المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يتضح وجود “وحدة ساحات التصعيد”، وارتباط واضح بين ما يحدث في الساحة الخليجية – الإيرانية وبين ما يحدث في منطقة باب المندب والبحر الأحمر، ويُسهم هذا الارتباط في تحقيق أهداف إيران.

يرغب الجانب الإيراني في تخفيف الضغط العسكري المفروض عليه، حيث أن دخول الحوثيين على خط التصعيد سيعني إعادة توزيع الأصول العسكرية المُستخدمة في مهاجمة إيران بحيث تكون أكثر قربًا من مضيق باب المندب، لقيامها بمهام تأمين السفن وحركة الملاحة، لاسيما مع تأكيد الرئيس الأمريكي “ترامب” أنه سيتم “التعامل” مع هذا الوضع إذا ما أقدم الحوثيون على حظر حركة السفن السعودية، وتبني رئيس الوزراء البريطاني الجديد “آندي بيرنهام” نفس نهج الحكومة السابقة، القائم على السماح باستخدام القواعد البريطانية في الهجمات ضد إيران. كما أنه في حال نقل الحوثيون التهديد إلى مستوى أعلى، من خلال قيامهم بحظر كافة أشكال الملاحة في المضيق، فإن هذا الأمر يعني عمليًا أنهم قد أصبحوا في مواجهة مفتوحة مع أطراف جديدة.

أما على الجانب الإيراني، فيبدو أنه يتصور أنه قادر على إظهار التماسك الداخلي وإدارة المعركة العسكرية، والصمود في مواجهة الضربات الأمريكية، حيث أن الاستمرار في هذا الصمود والمقاومة، سيؤدي إلى نجاح مقاربتها الخاصة بنقل الضغط والأعباء من إيران لتصيب المجتمع الدولي بأكمله، خاصةً مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي أصبح محور الاهتمام والأولوية المتقدمة بصورة تتجاوز التركيز على السبب الرئيس لاندلاع الحرب وهو البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب بروز احتمالات امتداد تعطل الملاحة إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر.

وعلى الرغم من هذا الوضع المُعقد والمتأزم في المنطقة، فإنه لا تزال هناك بعض من مساحات التهدئة، حتى وإن كانت محدودة، وهو ما يكشفه تصريح وزير الخارجية “ماركو روبيو” خلال قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، حيث أكد على أن الولايات المتحدة لا تزال مستعدة للتفاوض ومنفتحة على الحوار والتفاوض لتسوية الصراع في الشرق الأوسط، لكن إيران لا تُظهر نفس الرغبة، كما أكد رئيس الوزراء الباكستاني “شهباز شريف” خلال لقائه بوزير الداخلية الإيراني “إسكندر مؤمني” أن باكستان ستستمر في أداء دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران.

كما يكشفه أيضًا طبيعة النتائج السلبية السريعة التي أدت إليها الحرب والحدود التي يُمكن أن يصل إليها التصعيد، حيث انخفضت حركة المرور عبر مضيق هرمز إلى مستويات متدنية للغاية، وتُشير بعض التقديرات إلى أن حركة الملاحة تقتصر على عبور ثلاث سفن شحن في اليوم، إلى جانب ارتفاع فاتورة الحرب، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط بسبب المخاوف المتزايدة من تعطل الإمدادات، حيث ارتفع خام برنت لأكثر من 95 دولارًا للبرميل لأول مرة منذ نحو ستة أسابيع.

وقد بلغت تكلفة الحرب بالنسبة للجانب الأمريكي نحو 37.5 مليار دولار، ارتفاعًا من 29 مليار دولار وفق تقديرات مايو 2026. وبرغم كل ما يجري من تصعيد عسكري في المنطقة، فإنه يمكن التأكيد على أن ذهاب الولايات المتحدة إلى عمل بري قد يبدو صعبًا، حيث سيؤدي ذلك إلى ارتفاع التكلفة المادية والبشرية للحرب، وهي مُخاطرة سياسية للرئيس “ترامب” لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وتزايد احتمالية بروز معارضة في الداخل الأمريكي لهذا النهج.

ختامًا، يمكن التأكيد على أن التصعيد الراهن مهما بلغت شدته، هو مجرد تصعيد مرحلي، وأن المنطقة قد تكون مُقبلة على مرحلة تتأرجح بين موجات من الضربات العسكرية وفترات من الهدوء النسبي، ويستهدف منها كل طرف محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض، يُمكن تحويلها إلى أوراق ضغط ومساومة حينما تكون الظروف مهيأة للعودة إلى مسار المفاوضات، مع الأخذ في الاعتبار أن السيناريو الآخر، أي استمرار التصعيد لفترة طويلة نسبيًا، والانتقال إلى نمط التصعيد الإقليمي الشامل، يُعد مقامرة غير محسوبة، قد تدفع بالمنطقة إلى أتون حرب مدمرة وانفجار إقليمي.

general-Tarek-abd-El-azeem
مضيق هرمز من ورقة ضغط سياسية إلى محفز للتصعيد مجددًا
general-Tarek-abd-El-azeem
هل المنطقة مُقبلة على انتهاء السلام المؤقت؟
general-Tarek-abd-El-azeem
مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية والاختبارات الجدية
general-Tarek-abd-El-azeem
قراءة في مستجدات المفاوضات الأمريكية الإيرانية
Scroll to Top