القرن الأفريقي والحرب على إيران: المواقف والتداعيات

29/07/2026

تكتسب منطقة القرن الأفريقي والتي تضم دول إثيوبيا وجيبوتي والصومال وإريتريا أهمية استراتيجية خاصة، نظرًا للعديد من الاعتبارات، فهي أحد الأقاليم الرئيسة ذات الأهمية الاستراتيجية في القارة الأفريقية، فمن الناحية الجغرافية، تشمل منطقة القرن الأفريقي الجزء الشرقي من القارة الأفريقية الذي يتوغل منه نهر النيل، ومدخل البحر الأحمر الجنوبي وخليج عدن ومنطقة مضيق باب المندب، حيث تكتسب منطقة القرن الأفريقي أهمية حيوية جغرافيًا حيث تطل أيضًا على المحيط الهندي ، وهو ما يجعلها تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط، من وإلى البحر الأحمر والمحيط الهندي ومنه لقناة السويس إلى البحر المتوسط وأوروبا هذا إلى جانب الأبعاد الاقتصادية الأخرى المتمثلة في الموارد الطبيعية والثروات المعدنية.

ساهمت الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي في دفع العديد من القوى الإقليمية والدولية للتنافس فيما بينها على إيجاد موطئ قدم لها في تلك المنطقة، وذلك في محاولة لتمديد النفوذ وتعزيزه في دول منطقة القرن الأفريقي من أجل الحفاظ على المصالح الاستراتيجية لهذه القوى، ولا سيما البقاء بالقرب من الممرات الملاحية الدولية وضمان إمدادات الطاقة، وهو ما انعكس في حجم الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين القوى الإقليمية والدولية مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا وإيران مع دول منطقة القرن الأفريقي.

ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وامتداد تداعياتها إلى دول منطقة القرن الأفريقي (إثيوبيا – جيبوتي – إريتريا – الصومال) أُثيرت التساؤلات حول مدى إمكانية اتساع النطاق الجغرافي لهذه الحرب وانتقالها إلى هذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية، لا سيما وأن بعض دول القرن الأفريقي تعاني أوضاعًا سياسية وأمنية وعسكرية غير مستقرة مثل الصومال وإثيوبيا، هذا إلى جانب تصاعد التوترات السياسية في العلاقات الإثيوبية الإريترية، بالإضافة إلى التحركات الدبلوماسية المكثفة لبعض القوى الإقليمية مثل تركيا وإسرائيل وإيران في دول منطقة القرن الأفريقي، وما لذلك من تداعيات على مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في تلك الدول، خاصة في ضوء ارتباط المصالح الإستراتيجية لهذه القوى بدول منطقة القرن الأفريقي، الأمر الذي قد يرشح هذه الدول لتصبح ساحة جديدة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية المتنافسة.

ومع تباين مواقف دول القرن الأفريقي تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وإن كان مجمل هذه المواقف اتسم بتأييد الموقف الأمريكي ومواقف الدول الخليجية التي تعرضت لاعتداءات عسكرية إيرانية، في ضوء ارتباط المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية لدول القرن الأفريقي بكل من الولايات المتحدة ودول الخليج العربي، وذلك مقارنة بإيران التي لا تتمتع بعلاقات ومصالح استراتيجية مع دول القرن الأفريقي، الأمر الذي قد يدفع إيران لمحاولة استهداف المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل في هذه الدول، كنوع من الرد على أي تصعيد العسكري أمريكي إسرائيلي مستقبلًا ضدها.

وفي هذا السياق، تطرح الدراسة مجموعة من السيناريوهات المحتملة بشأن ارتدادات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية على منطقة القرن الأفريقي، وإن كان السيناريو الأكثر ترجيحًا في الأجل القريب يتمثل في انتقال تداعيات هذه الحرب على مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية لدول منطقة القرن الأفريقي ولا سيما على الصعيد الاقتصادي، وذلك استنادًا إلى عدد من الاعتبارات والمؤشرات الدالة على ذلك، ومن أهمها التأثير السلبي على سلاسل الإمداد الإنساني العالمية، حيث أدت أزمة إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل كبير في طرق الشحن الرئيسية المستخدمة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى الدول الأفريقية ومنها دول القرن الأفريقي مثل إثيوبيا والصومال، فقد تسببت هذه الحرب في ارتفاع أسعار الوقود، وزيادة أقساط التأمين، وازدحام الموانئ البديلة، مما أدى إلى تباطؤ حركة المساعدات إلى المناطق الأكثر ضعفًا، مما يجعل دول القرن الأفريقي تواجه تحديات متزايدة في ظل الصعوبات التي تواجه المنظمات الإنسانية للحفاظ على خطوط الإمداد، بالإضافة إلى ما يعانيه الاقتصاد الإريتري من مشكلات متفاقمة بسبب استمرار العقوبات الأمريكية المفروضة عليه منذ نوفمبر 2021، واقتصار النشاط الاقتصادي في إريتريا على التعدين والتحويلات المالية من العاملين بالخارج، أضف إلى ذلك ما يعانيه الصومال من مشكلات اقتصادية وخاصة تراجع معدلات النمو والذي وصل إلى حوالي 4% عام 2024، ولا يزال يعاني من تداعيات موجات الجفاف ومعدلات التضخم المرتفعة.

كما تركز الدراسة على الترابط السياسي والأمني بين منطقة الشرق الأوسط ومنطقة القرن الأفريقي، حيث تعملان في منظومة أمنية إقليمية واحدة، فإنه من المتوقع أن تنتقل تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية الراهنة إلى دول القرن الأفريقي بدرجات متفاوتة بدءًا بالتداعيات الحالية على الأوضاع الاقتصادية في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والنقل والشحن، وصولًا إلى محاولات بعض القوى الإقليمية إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية لمنطقة القرن الأفريقي، حيث ستعمل كل من إثيوبيا وإسرائيل وإقليم أرض الصومال على محاولة توظيف المتغيرات السياسية والأمنية الجديدة لتسهيل وصول إثيوبيا للبحر الأحمر واستعادة موقعها على البحر الأحمر، وفي نفس الوقت ستواصل إسرائيل تحركاتها لدفع المزيد من الدول للاعتراف بإقليم أرض الصومال، وفي المقابل ستحاول بعض دول المنطقة مثل الصومال وجيبوتي وإريتريا عرقلة هذه التحركات، اعتمادًا على الشركاء الإقليميين والدوليين لكل دولة، خاصة تركيا وإيران، وذلك وفقًا للمصالح الإستراتيجية لكل منهما، وكيفية استعدادها للتماشي مع المتغيرات السياسية والأمنية الجديدة.

العدد3
فرص واعدة: الدعم المصري للتكامل الاقتصادي الإفريقي في مواجهة انعكاسات السياسات الأمريكية
عدد2
التطورات السياسية والأمنية الراهنة في منطقة شرق الكونغو الديمقراطية
عدد1
الأزمة السودانية وآفاق التسوية (السيناريوهات الراهنة والمنتظرة)
Scroll to Top