“الإقصاء الاقتصادي” ضد إيران والمسارات الأمريكية الموازية

26/08/2026

تسارعت وتيرة التحركات في منطقة الشرق الأوسط خلال الأيام القليلة الماضية، حيث أطلقت الولايات المتحدة عملية “الإقصاء الاقتصادي Economic Outcast” التي تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني، وشبكاته النفطية والمالية، وقطع كل مصدر مُحتمل للدخل الذي يُمول الحرس الثوري والنظام الإيراني، مع فرض حزمة جديدة من العقوبات على خمسة قطاعات تُعد من أهم شرايين الحياة الاقتصادية الإيرانية، وهي: الأصول الرقمية، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والشحن البحري. كما أعلنت الولايات المتحدة أن هذه الخطوات الاقتصادية قد جاءت بعد تفكيك القدرات العسكرية الإيرانية، وشل برنامجها النووي، وأعلنت أيضًا أن العقوبات ستشمل الجهات والدول التي تواصل التعامل اقتصاديًا مع إيران، مع وجود مهلة للامتثال، وأن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” قد أجرى اتصالات بعدد من قادة الدول لدفعهم نحو وقف التعامل مع إيران.

جاءت هذه الخطوة الأمريكية في وقت يُعاني فيه الاقتصاد الإيراني من إنهاك فعلي، حيث أكد الرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان” على تفاقم المشكلات الاقتصادية والمعيشية، وأهمية إنهاء حالة اللا حرب واللا سلم، فيما أفاد المتحدث باسم الحرس الثوري “حسين محبي” بأن إيران أعدت سيناريوهات لمواجهة العقوبات، والالتفاف على القيود الأمريكية.

وقد تزامنت عملية الإقصاء الاقتصادي مع مجموعة من التطورات الرئيسة، لعل من أبرزها تواصل جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أكد مستشار رئيس مجلس الوزراء والمتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية القطرية “ماجد بن محمد الأنصاري”، أن هناك جهودًا متواصلة لخفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة الأطراف إلى مسار التفاوض. كما أجرى قائد الجيش الباكستاني المشير “عاصم منير” ووزير الداخلية الباكستاني “محسن نقوي” زيارة إلى إيران ركزت على دفع جهود السلام عبر إعادة تفعيل مذكرة تفاهم إسلام اباد مرة أخرى، وقد أسفرت هذه الزيارة عن “نتائج إيجابية” و”تقدم كبير” وذلك كما ورد في البيانات الرسمية الصادرة عن باكستان وإيران.

بالتوازي مع ذلك، فقد أجرى وزير الخارجية العُماني “بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي” زيارة عمل إلى إيران، وعقد مشاورات مع نظيره الإيراني “عباس عراقجي”، ركزت على مضيق هرمز، حيث ناقشا “إطارًا مرحليًا من شأنه أن يوفر أساسًا عمليًا وقابلًا للتنفيذ” بشأن الملاحة في المضيق، وذلك من خلال إنشاء ممر ملاحي مؤقت مُشترك، وتنفيذ مشروع مُشترك لتطهير المضيق من الألغام، مع التأكيد على استمرار المفاوضات الفنية بين الجانبين للتوصل إلى اتفاق بشأن ممر ملاحي دائم والترتيبات المستقبلية لإدارة المضيق، وكذلك عقد مناقشات مشتركة مع دول المنطقة المطلة على مياه الخليج.

وتؤكد هذه التطورات على طبيعة النمط السائد في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الفترة القليلة الماضية، والذي يقوم على الخطوات المترددة في إطار من الشد والجذب، فعلى سبيل المثال، أشارت بعض التقارير إلى أن هذه الزيارة قد تضمنت نقل المواقف والشروط الإيرانية بشأن مضيق هرمز إلى الولايات المتحدة، كما نفت إيران ما أعلنه ​الرئيس الأمريكي “ترامب” عن ‌إزالة ​كل الألغام ⁠الموجودة ​في مضيق هرمز، وعلى الرغم من أن ذلك يمُثل مؤشرًا مهمًا على أن إيران لا تزال تتمسك بإدارة المضيق في أي ترتيبات مستقبلية مع الولايات المتحدة، فقد أبدت مرونة في بعض التفاصيل، حيث لم تتمسك بمطلبها الخاص بإزالة الألغام من المضيق بشكل منفرد، وأصبحت سلطنة عُمان شريكة لها في هذه الجهود.

يُضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة لم تُنفذ عمليات عسكرية ضد إيران بالرغم من انتهاء مهلة الستين يومًا الواردة في مذكرة التفاهم، ويبدو أن خيارها الاستراتيجي في الوقت الراهن هو الاعتماد بصورة أكبر على الضغط الاقتصادي باعتبارها الأكثر فاعلية لتغيير المواقف الإيرانية المتصلبة تجاه القضايا العالقة، لا سيما إعادة فتح مضيق هرمز، ويتوافق ذلك مع ما أوردته تقارير من أن الجانب الأمريكي لا يُخطط لشن ضربات جديدة على إيران حتى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، لكن الخيار العسكري لا يزال قائمًا في حالة شن إيران هجمات استباقية، كما يمثل انعكاسًا واضحًا لنسب الرفض المتزايدة في الداخل الأمريكي للحرب ضد إيران، التي أثرت بالسلب على شعبية الرئيس “ترامب”.

في حين يتضح أن القدرة الإيرانية على مواجهة الضغط الاقتصادي الأمريكي المتزايد ترتبط بالضرورة باستدامة شبكات اقتصاد الظل والقنوات غير الرسمية، والحفاظ على شبكة علاقاتها ومصالحها الاقتصادية مع الأطراف الخارجية حتى وإن كانت محدودة. ونُشير هنا إلى الصين باعتبارها أكبر مشتر للنفط الإيراني، حيث تُشير التقديرات إلى أن شحنات النفط الإيراني إلى الصين قد بلغت نحو نصف مليون برميل يوميًا خلال شهر أغسطس الجاري، انخفاضًا من نحو 1.5 مليون برميل يوميًا في فبراير 2026. ومع استمرار الشركات والمؤسسات الصينية في استيراد النفط الإيراني، فإن ذلك قد يعني تعرضها لعقوبات أمريكية، وبحدوث ذلك الأمر، فقد تندلع مواجهة اقتصادية جديدة بين الولايات المتحدة والصين، لا سيما أن حزم العقوبات الأمريكية على إيران أصبحت أكثر شمولًا بما يتجاوز قطاع الطاقة.

ختامًا، جاءت عملية الإقصاء الاقتصادي ضد إيران لتكشف عن أن الولايات المتحدة تُفضل أساليب الضغط الاقتصادي بدلًا من تجدد المواجهات العسكرية مرة أخرى، ومع ذلك، فإن هذه السياسة الأمريكية تواجه تحديات عملية، وقد تؤدي إلى تأثيرات أوسع نطاقًا من مجرد تقويض الاقتصاد الإيراني وشل حركته، خاصةً إذا امتدت العقوبات لتطال الجهات والدول التي تُقيم علاقات اقتصادية بالفعل مع إيران، مثل الصين، كما أن نجاح الإقصاء الاقتصادي في حدوث انهيار اقتصادي واجتماعي داخلي في إيران، قد يُمثل بيئة مواتية لتجدد الصراع العسكري مرة أخرى. انتهت مساحة المقال التحليلي ولم تنته بعد متابعة التطورات الجارية في العلاقات الأمريكية الإيرانية على أكثر من مسار.

general-Tarek-abd-El-azeem
الأزمة الأمريكية الإيرانية تواجه فصلًا جديدًا
general-Tarek-abd-El-azeem
الجدار الفولاذي: "خطة ترامب" في محاصرة إيران وبدائل التعامل الأمريكي
general-Tarek-abd-El-azeem
هل يؤدي الانفراج المؤقت لترتيبات سلام دائمة في المنطقة؟
general-Tarek-abd-El-azeem
رسائل الردع الإقليمية ومخاوف تمدد الحرب لنطاقات جديدة
Scroll to Top