المواجهات في باب المندب، أي مُقاربة مُستقبلية مطروحة؟

17/09/2026

دخلت الأزمة في منطقة الشرق الأوسط منعطفًا خطرًا مع اندلاع جولة جديدة من القتال في اليمن، تُعد الأكثر عنفًا منذ التهدئة عام 2022، التي أعقبها حالة من الهدوء النسبي، حيث تمكن الحوثيون من توسيع نفوذهم في منطقة الساحل الغربي لليمن، ووصولهم إلى منطقة باب المندب الاستراتيجية، وقد أدت هذه التطورات إلى موجة نزوح واسعة من المناطق التي تتركز فيها المواجهات، وذلك إلى محافظات بعيدة عن القتال، وتُشير التقديرات إلى أن الأعداد قد بلغت نحو 120 ألفًا منذ استئناف المعارك.

تزامن ذلك مع استمرار الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، وقيامهم بإطلاق طائرة مُسيرة باتجاه مدينة مكة المكرمة يوم 15 سبتمبر 2026، وعلى الرغم من قدرة الدفاعات الجوية السعودية على التصدي للهجوم، واعتراض وتدمير الطائرة المُسيرة قبل دخولها المجال الجوي لمكة المكرمة، فإن تبعات هذا الهجوم لم تتوقف عند هذا الحد، حيث انطلقت موجة قوية من الإدانات الصادرة عن الدول العربية والإسلامية والمنظمات المختلفة، على رأسها الدولة المصرية بمؤسساتها السياسية والدينية، التي عبرت وبشكل رصين عن مغبة هذه الخطة الحوثية، باعتبار أن “حرمة مكة المكرمة من ثوابت عقيدة الإسلام والمسلمين التي لا يجوز المساس بها أو الاقتراب منها بسوء”، وأنه “لا يمكن تصور أن تتحول مكة المكرمة إلى ساحة للصراع أو التهديد”.

وإزاء هذه الموجة القوية من الإدانات، نفى الحوثيون استهدافهم لمكة المكرمة، وأنها وسائر المقدسات الإسلامية تحظى بمكانة عظيمة لدى كافة الشعوب الإسلامية. ويُشير ذلك إلى أن الحوثيين قد بدأوا مرحلة جديدة في إطار المواجهات الداخلية في اليمن، وفي سياساتهم الإقليمية، خاصةً تجاه دول الجوار، ويتضح أن هناك استثمارًا حوثيًا لحالة الضبابية والتضارب في المواقف الأمريكية تجاه التصعيد الراهن، حيث تتوالى التصريحات غير المدروسة للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” وتأكيده   على أن الحرب ستنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

يُؤكد ما سبق على أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت أمام مشهد مفتوح على سيناريوهات متعددة، أخطرها اتجاه إيران نحو التصعيد العسكري عبر شبكة الوكلاء والميليشيات الإقليمية، وهو ما يُظهر وجود تناقض في النهج الراهن للسياسة الإيرانية، فعلى الرغم من تأكيد الرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان” ووزير خارجيته “عباس عراقجي” على التهدئة وعدم استهداف دول الجوار، فقد استمرت الهجمات على دول المنطقة، سواء من خلال إيران أو عبر وكلائها، وبرز مؤخرًا التركيز على استهداف الأصول الحيوية السعودية، عبر الهجوم على خط النفط الرئيس شرق – غرب وذلك من خلال ميليشيات عراقية (وفقًا لما ورد بالبيانات الرسمية السعودية)، بما يُشير إلى عدة أمور رئيسة، أبرزها:

¨ استمرار القدرة الإيرانية على توظيف وكلائها في تنفيذ أجندتها الإقليمية، حيث لم تعد مصادر التهديد للأمن الوطني السعودي مقتصرة على الجنوب بل امتدت أيضًا إلى الشمال الشرقي، بما يضع السعودية تحت ضغوط من التهديدات اللاتماثلية.

¨ لا تقتصر هذه الضغوط على السعودية فحسب، حيث امتدت لتشمل العراق، فعلى الرغم من قدرة الجانبين السعودي والعراقي على بناء قناة اتصال أمني من كبار المسئولين الأمنيين والعسكريين، للتنسيق والتشاور في الملفات المُعقدة، لا سيما تقويض الهجمات على السعودية القادمة من الأراضي العراقية، فإن استمرار هذه الهجمات تضع العراق أمام اختبار أمني وسياسي صعب ومُعقد، حيث تُثار تساؤلات حول قدرة العراق على ضبط تصرفات الفصائل المسلحة، ومنع تحول أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

¨ تعرض إمدادات النفط العالمية لمخاطر جمة، حيث أن استهداف خط شرق – غرب، وإن مثل تهديدًا للأمن الوطني السعودي باعتباره طريقًا بديلًا لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز لكن أثاره تمتد إلى العالم بأكمله، خاصةً أن هذا الخط ينقل نحو 5 ملايين برميل يوميًا، ولما كانت الإمدادات النفطية العالمية تبلغ نحو 100 مليون برميل يوميًا، فإن ذلك يعني أن خط شرق – غرب مسئول وحده عن 5% من الإمدادات العالمية.

¨ الرغبة الإيرانية في دمج الساحات المختلفة في المنطقة، خاصةً في الأطر الجغرافية التي تتمتع بنفوذ فيها، فالأمر لم يعد يقتصر على استثمار وقف الملاحة في مضيق هرمز كورقة ضغط، حيث يُمكن أن يُصبح هذا السيناريو قابلًا للتكرار في منطقة باب المندب الاستراتيجية، بما قد يمثل تحديًا جديدًا أمام القوى الإقليمية والدولية، باعتبار أن ذلك الأمر يُمثل تهديدًا للتجارة العالمية، كما يقوض أيضًا من أمن البحر الأحمر، ولعل ذلك ما يُفسر سرعة التحرك والتنسيق المصري السعودي بهدف التأكيد على ارتباط مصالح البلدين بعضها بعضًا، وتجنيب تحول البحر الأحمر إلى ساحة للصراع ومصدرًا للتهديد.

وعلى الرغم من الارتباط الوثيق بين الحوثيين وبين إيران في سياق التصعيد الراهن، فإن الأولى لديها أيضًا مصالحها ومطالبها الخاصة، حيث يرغبون في اكتساب مساحات أكبر من حرية التصرف والتنقل في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، ومواجهة محاولات عزلهم دوليًا، التي أدت إلى تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في مناطق تواجدهم في اليمن، ويعتمدون على المعارك والمواجهات العسكرية لمحاولة بناء واقع ميداني جديد، قد يُفيدهم في فرض شروط جديدة في أي مفاوضات مستقبلية.

ختامًا، تجدر الإشارة إلى أنه قد تظهر مساحات من التباين في الأهداف والرؤى بين الحوثيين وإيران، فهم تجنبوا حتى الآن الصدام مع الولايات المتحدة والقوى الكبرى، لكن قيامهم بتعطيل الملاحة في مضيق باب المندب سيجلب عليهم رد فعل دولي واسع النطاق بما قد يؤدي إلى استهدافهم من قبل الولايات المتحدة مرة أخرى، ومع غياب صوت العقل الإيراني، ورغبته في توظيف ما لديه من أوراق ضغط، وإظهار قدرته على نقل المعركة من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، فإن الحوثيين يجدون أنفسهم مضطرين للموازنة الدقيقة بين اعتبارات التحالف والارتباط مع إيران، وبين عدم استفزاز المجتمع الدولي، حتى لا يُقدم على توجيه ضربات عسكرية تجرد الحوثيين من جزء كبير من قدراتهم العسكرية بل وحتى نطاق نفوذهم.

general-Tarek-abd-El-azeem
ما بعد حرب الناقلات: هل تتسع المواجهة الأمريكية الإيرانية؟
general-Tarek-abd-El-azeem
إدارة "ترامب" والتأرجح بين الخيارين العسكري والاقتصادي
general-Tarek-abd-El-azeem
"الإقصاء الاقتصادي" ضد إيران والمسارات الأمريكية الموازية
general-Tarek-abd-El-azeem
الأزمة الأمريكية الإيرانية تواجه فصلًا جديدًا
Scroll to Top