قراءة في برنامج التنمية التركي متوسط الأجل 2027-2029

27/09/2026

أطلقت تركيا برنامجها الاقتصادي متوسط الأجل لمواجهة التحديات الاقتصادية الداخلية والخارجية، وفي مقدمتها التضخم والاضطرابات الجيوسياسية والتجارية، مع التركيز على استقرار الاقتصاد الكلي ومعالجة الاختلالات الهيكلية من خلال رفع الإنتاجية والقدرة التنافسية، ودعم التصنيع والتكنولوجيا والاستثمار، وتقليل الاعتماد الخارجي وتعزيز أمن الطاقة والغذاء.

السياق العام:

جاء إطلاق برنامج التنمية متوسط الأجل التركي 2027-2029 في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وتزايد الضغوط التي تواجه الاقتصادات نتيجة التوترات الجيوسياسية وعلى رأسها الحرب الإيرانية، وتغير أنماط التجارة العالمية، وتصاعد الاتجاهات الحمائية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات أسعار الطاقة والسلع الأساسية، كما تزامن إعداد البرنامج مع تسارع التحولات التكنولوجية، ولا سيما التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب تنامي أهمية التحول الأخضر والرقمي، وهو ما أعاد تشكيل أولويات السياسات الاقتصادية للدول، ودفعها إلى إيلاء اهتمام أكبر بقدرتها على الصمود أمام الصدمات الخارجية، وأمن الإمدادات، والقدرة التنافسية والإنتاجية.

كما يأتي البرنامج باعتباره مرحلة تنفيذية جديدة لرؤية التنمية طويلة الأجل، في وقت لا تزال فيه السلطات تسعى إلى ترسيخ مسار خفض التضخم وتحقيق استقرار الاقتصاد الكلي، بالتوازي مع دعم النمو والإنتاج والاستثمار، وقد فرضت هذه المعادلة الحاجة إلى تحقيق توازن بين استمرار السياسات الرامية إلى استعادة استقرار الأسعار والانضباط المالي من ناحية، والحفاظ على القدرة الإنتاجية ودعم الاستثمار والتوظيف والنمو من ناحية أخرى، وفي الوقت نفسه، جاءت الاستراتيجية لتعالج مواطن الضعف الهيكلية للاقتصاد، وعلى رأسها حساسية الاقتصاد تجاه التطورات الخارجية، والاعتماد على الواردات في بعض المدخلات والقطاعات الاستراتيجية، والحاجة إلى رفع القيمة المضافة للصادرات وتعزيز الإنتاجية والقدرة التنافسية.

ملامح البرنامج التركي:

يتمثل الهدف الأساسي للبرنامج التركي (2027-2029) في تحقيق نمو متوازن ومستدام وشامل، يرتكز على تعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود في مواجهة الصدمات الخارجية، ورفع قدرته على خلق فرص العمل. ولهذا، يرتكز البرنامج التركي على مستهدفات متفائلة بشأن معدل النمو الاقتصادي والتضخم والبطالة حتى عام 2029، كما يُبين الشكل التالي[1]:

مستهدفات معدلات النمو والتضخم والبطالة (%)

المصدر: البرنامج الاقتصادي التركي 2026

وإلى جانب مستهدفات النمو والبطالة والتضخم، يقوم البرنامج على سبعة محاور أساسية، هي:

1. النمو المستدام:

يستهدف البرنامج تعزيز قدرة الاقتصاد التركي على تحقيق نمو أكثر استدامة وتنافسية، من خلال رفع الإنتاجية وكفاءة استخدام الموارد، وتطوير قطاعي الزراعة والصناعة على وجه التحديد بالاعتماد على البحث والتطوير والتكنولوجيا الحديثة، مع التوسع في القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية وتخزين الطاقة، وربط الجامعات ومراكز البحث بالقطاع الإنتاجي لتحويل المعرفة إلى تطبيقات اقتصادية.

ويُركز البرنامج على تطوير رأس المال البشري ومواءمة التعليم، خاصة المهني والتقني، مع احتياجات سوق العمل، بالتوازي مع تسريع التحول الأخضر وتبني الإنتاج منخفض الكربون والاقتصاد الدائري والتقنيات الخضراء، إلى جانب تحسين البنية التحتية والروابط اللوجستية، بما يعزز تنافسية القطاع الخاص ويدعم انتقال الاقتصاد التركي من النمو القائم على التوسع في المدخلات والطاقات الإنتاجية إلى نمو تقوده الإنتاجية والتكنولوجيا والقيمة المضافة[2].

تسعى تركيا من خلال هذا التوجه إلى مواجهة تحدي انخفاض الإنتاجية، في ظل استمرارها دون متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بما يفرض الحاجة إلى تعزيز الكفاءة والاعتماد بصورة أكبر على التكنولوجيا والابتكار، كما يعكس هذا المحور سعيًا إلى تحسين موقع الاقتصاد التركي في خريطة التنافس التكنولوجي العالمي، خاصة في ظل تسارع تبني الدول لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المتقدمة، وما يترتب على ذلك من إعادة تشكيل لمزايا التنافس ومواقع الدول داخل سلاسل القيمة العالمية.

2. التوظيف:

يُركز هذا المحور على تطوير سوق العمل بما يتلاءم مع التحولات في أنماط العمل واحتياجات القطاعات الاقتصادية، من خلال معالجة فجوات المهارات وتحقيق التوازن بين مرونة سوق العمل والحماية الوظيفية، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد البشرية ويدعم النمو الداعم للتوظيف.

وفي هذا الإطار، سيتم توجيه التعليم العالي والدراسات العليا لإعداد كوادر متخصصة في المجالات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الدفاع والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقة والتعدين والتكنولوجيا الحيوية، إلى جانب توسيع مشاركة الفئات الأقل تمثيلًا في سوق العمل، خاصة النساء والشباب والأشخاص ذوو الإعاقة، بما يسهم في توسيع قاعدة العمالة وتعزيز إمكانات النمو.

3. استقرار الأسعار والاستقرار المالي:

يُبنى هذا المحور على مواصلة خفض التضخم وتحقيق استقرار الأسعار، من خلال تحسين ظروف الإنتاج وتعزيز الإنتاجية والمنافسة وترسيخ استقرار توقعات التضخم، بالتوازي مع تعزيز الاستقرار المالي عبر زيادة المدخرات، وتطوير أسواق رأس المال، وتوسيع فرص التمويل، ودعم نمو وأمن التكنولوجيا المالية.

ويأتي تركيز البرنامج على خفض التضخم واستقرار الأسعار في ضوء الضغوط التضخمية الممتدة التي واجهها الاقتصاد التركي، وما صاحبها من تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة حالة عدم اليقين، وقد ارتبطت هذه الأزمة أيضًا بتوترات سابقة حول إدارة السياسة النقدية، كان من أبرزها إقالة الرئيس “رجب طيب أردوغان” محافظي البنك المركزي في العديد من المناسبات.

4. التنافسية في التجارة الخارجية:

تؤكد تلك الاستراتيجية على تعزيز قدرة الاقتصاد التركي على مواجهة التحولات في التجارة العالمية والتوترات الجيوسياسية، من خلال تنويع الأسواق والمنتجات، وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة المرتفعة وكثيفة التكنولوجيا، وتقليل مخاطر الاعتماد الخارجي عبر تنويع مصادر التوريد وتعزيز الإنتاج المحلي، كما يستهدف توظيف الموقع الجغرافي والبنية التحتية للنقل لتطوير دور تركيا كمركز لوجستي يربط آسيا وأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، خاصة عبر الممر الأوسط وطريق التنمية وسكك حديد الحجاز، بما يعزز تنافسية التجارة التركية ومرونة سلاسل الإمداد.

ويأتي هذا المحور في ضوء انكشاف الاقتصاد التركي بدرجة كبيرة على مدخلات الإنتاج المستوردة، بما يجعله أكثر تأثرًا باضطرابات سلاسل الإمداد والتحولات الجيوسياسية، ولهذا، تسعى تركيا إلى توظيف التحولات التي شهدتها خريطة التجارة الدولية منذ اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية 2022، وصولًا إلى الحرب الإيرانية 2026، لتعزيز موقعها كمحور بديل لحركة التجارة، من خلال استحداث ممرات نقل جديدة وتطوير القائمة مثل الممر الأوسط، بما يسمح لها بالاستفادة من إعادة توجيه تدفقات التجارة العالمية، وزيادة دورها في تجارة العبور والخدمات اللوجستية.

5. بيئة الأعمال والاستثمار:

تتمثل الأولوية الأساسية في تحسين بيئة الأعمال من خلال تبسيط الإجراءات وخفض الأعباء الإدارية، مع توجيه الحوافز نحو الاستثمارات ذات القيمة المضافة والتكنولوجيا المتقدمة، خاصةً في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبطاريات والتكنولوجيا الحيوية والطاقة المتجددة، إلى جانب تنويع مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر جغرافيًا، ويعكس ذلك توجهًا تركيًا نحو جذب استثمارات لا توفر التمويل فقط، وإنما تسهم في نقل التكنولوجيا وتعميق القاعدة الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد، مع تقليل التركّز الجغرافي لمصادر الاستثمار.

6. الأمن الاقتصادي والقدرة على الصمود:

يُركز هذا المحور على تعزيز الأمن الاقتصادي والقدرة على الصمود في مواجهة الصدمات العالمية، وتشتمل أبعاد هذا المحور على العناصر التالية:

• تعزيز أمن إمدادات الطاقة والموارد الطبيعية: تستهدف تركيا زيادة أنشطة البحث والاستكشاف والإنتاج للنفط والغاز الطبيعي والمعادن، داخل البلاد وخارجها، وزيادة قدرات تخزين الكهرباء لدعم دمج مصادر الطاقة المتجددة في شبكة الكهرباء.

• تعزيز أمن الإمدادات الغذائية: يُركز البرنامج على تطوير منظومة البحث والتطوير والابتكار الزراعي، بما يحافظ على الموارد المحلية ويعزز تطويرها، إلى جانب التوسع في استخدام الرقمنة والذكاء الاصطناعي والزراعة الدقيقة لرفع الإنتاجية والجودة وكفاءة استغلال الموارد.

• تطوير القدرات المحلية في التقنيات الحيوية وأشباه الموصلات: تسعى تركيا إلى تعزيز قدراتها المحلية في المجالات الحيوية من خلال إعداد خطط عمل داعمة للإنتاج المحلي وتطوير التكنولوجيا، مع زيادة دعم البحث والتطوير في مجالات اللقاحات والأدوية والأجهزة الطبية ومجموعات التشخيص والمنتجات الحيوية، كما تستهدف إنشاء منشآت حديثة لإنتاج الرقائق وأشباه الموصلات، بما يعزز القدرة المحلية على تصنيع أشباه الموصلات وتقليل التعرض لمخاطر اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية في هذا القطاع الاستراتيجي.

7. المالية العامة:

يُركز هذا المحور على الحفاظ على الانضباط المالي وتعزيز استدامة المالية العامة، مع تنسيق السياسة المالية مع السياسة النقدية بما يدعم استقرار الاقتصاد الكلي. وفي هذا الإطار، ستواصل تركيا العمل على رفع كفاءة استخدام الموارد العامة وترشيد الإنفاق، مع استمرار إعطاء الأولوية للاستثمارات العامة ذات العوائد الاقتصادية والاجتماعية المرتفعة، بما يعزز أثر الإنفاق الحكومي على النمو والتنمية.

تقييم مسار البرنامج الاقتصادي:

يعكس برنامج التنمية متوسط الأجل التركي 2027–2029 رؤية اقتصادية متكاملة نسبيًا، تجمع بين استقرار الاقتصاد الكلي، وخفض التضخم، والانضباط المالي، ورفع الإنتاجية والقدرة التنافسية، وتعزيز التحول الأخضر والرقمي، وتقليل مواطن التبعية الخارجية، ودعم الاستثمار والإنتاج والتوظيف. ويتسم البرنامج باتساع نطاقه القطاعي، إذ لم يقتصر على معالجة الاختلالات النقدية والمالية قصيرة الأجل، وإنما تضمن مجموعة واسعة من الإصلاحات الهيكلية المرتبطة بالإنتاج والصناعة والزراعة وسوق العمل والتكنولوجيا والتجارة والاستثمار والأمن الاقتصادي[3].

ومع ذلك، فإن قوة البرنامج على مستوى تحديد الأهداف لا تنعكس بالدرجة نفسها على مستوى تحديد آليات التنفيذ والموارد اللازمة لتحقيقه، فعلى الرغم من أن البرنامج يضع مجموعة كبيرة من الإجراءات المقترحة تحت كل هدف، فإن جانبًا منها يظل في صورة آليات عامة أو توجهات للسياسة العامة، دون تحديد تفصيلي لحجم التمويل المطلوب لكل مسار، أو مصادر تمويله، أو ترتيب الأولويات بين الأهداف المختلفة، أو مؤشرات كمية مرحلية يمكن من خلالها قياس مدى التقدم في التنفيذ.

ولا يُمكن فصل توقيت إطلاق البرنامج عن انتشار تقديرات حول اتجاه الرئيس “أردوغان” للترشح لولاية رئاسية جديدة في انتخابات مبكرة، بما يعني أن بعض المستهدفات الاقتصادية والاجتماعية الواردة في البرنامج قد تحمل، إلى جانب أبعادها الاقتصادية، بعدًا انتخابيًا مُحتملًا، خاصة تلك المرتبطة بخفض التضخم وتحسين مستويات المعيشة وزيادة فرص العمل وتعزيز الاستثمارات.

ومن ناحية أخرى، يُلاحظ وجود قدر من الاتساق بين بعض توقعات البرنامج وتقديرات المؤسسات الدولية فيما يتعلق بالمسار العام للاقتصاد، خصوصًا من حيث استمرار النمو بالتوازي مع انخفاض التضخم تدريجيًا، إلا أن هناك تباينًا في التفاؤل بشأن تقديرات التضخم؛ ففي حين يستهدف البرنامج الوصول بالتضخم إلى خانة الآحاد خلال فترة البرنامج، فإن تقديرات صندوق النقد تُشير إلى وصول التضخم لمستوى 15% بحلول 2030 [4].

كذلك، يبرز التحدي المالي باعتباره عاملًا حاسمًا في مدى قدرة البرنامج على تحقيق أهدافه، حيث يتضمن البرنامج عددًا واسعًا من الالتزامات في مجالات البنية التحتية، والدعم الإنتاجي، والتحول الرقمي والأخضر، والتعليم، والصحة، والطاقة، والبحث والتطوير، إلى جانب برامج الحماية الاجتماعية والاستجابة للكوارث. وفي المقابل، يستهدف البرنامج الحفاظ على الانضباط المالي وخفض العجز تدريجيًا، ومن ثم، فإن التحدي لا يتمثل فقط في ضبط الإنفاق العام، وإنما في ضمان توجيه الموارد المحدودة نحو الأولويات التي تحقق أكبر أثر اقتصادي، وهو ما يجعل غياب التحديد التفصيلي لتكلفة كل هدف ومصدر تمويله أحد مواطن الضعف التي قد تؤثر في قابلية التنفيذ.

ختامًا، يعكس البرنامج رؤية طموحة وشاملة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية وتعزيز النمو المستدام، إلا أن نجاحه يتوقف على قدرته على تحويل كل الأهداف العامة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، من خلال تحديد الأولويات، وتكلفة كل هدف ومصادر تمويله، ووضع مؤشرات مرحلية لقياس التقدم.


[1] “Orta Vadeli Program (2027-2029)”, TÜRKİYE CUMHURİYETİ CUMHURBAŞKANLIĞI- STRATEJİ VE BÜTÇE BAŞKANLIĞI. September 2026. Available at https://tinyurl.com/yc7wzmuj

[2] مي عبد الخالق، “تركيا تكشف عن برنامجها الاقتصادي المتوسط المدى للأعوام 2027/2029 لمواجهة الضغوط الإقليمية”، بوابة الأهرام. 6 سبتمبر 2026. مُتاح على https://tinyurl.com/39jfvzke   

[3] Mahfi Eğilmez, “Orta Vadeli Program (2027 – 2029) Üzerine Düşünceler”, KENDİME YAZILAR. 6 September 2026. Available at  https://tinyurl.com/zsmwz7kk

[4] “Republic of Türkiye”, International Monetary fund. April 2026. Available at https://tinyurl.com/4wac6d67

usiranecoblockade
مستقبل العقوبات على إيران: بين القدرة على التكيف وتكلفة الضغوط على الشركاء التجاريين
China-oil
الاستجابة المرنة: الصين وإعادة صياغة معادلة القوة في سوق النفط العالمي
Ir-economy
إدارة الأزمة: صمود إيران الاقتصادي في مواجهة الحصار الأمريكي
5
مقاربة جديدة: كيف أعادت مواجهات الشرق الأوسط رسم مسارات الشحن الدولي
Scroll to Top