إلى أين تذهب المواجهات في منطقة الخليج؟

14/10/2026

تتجه الأزمة في منطقة الخليج نحو المزيد من التصعيد والتعقيد، خاصةً بعد تزايد وتيرة الهجمات الحوثية على الأصول والبنى التحتية المدنية السعودية خلال الأسبوع الماضي، إلى جانب تزايد وتيرة التهديدات الأمريكية تجاه إيران، والتي عبر عنها الرئيس “دونالد ترامب” في أكثر من مناسبة، حيث ستتلقى إيران “درسًا قاسيًا”، هذا الدرس الذي سيمتد أيضًا إلى الحوثيين الذين وصفهم “ترامب” بأنهم يتصرفون “بشكل سيئ للغاية”، وأنه لن ينسى هجماتهم.

في المقابل، يبدو أن إيران تتهيأ لسيناريو عودة الحرب مرة أخرى بصورة أكثر ضراوة، حيث تُشير بعض التقارير إلى أن إيران ركزت على إعادة بناء قدراتها العسكرية، وتعزيز الدفاعات حول المواقع الاستراتيجية، كما أنها قد تتجه – في حال استهدافها من قبل الولايات المتحدة – إلى توسيع بنك الأهداف الانتقامي، بحيث يشمل كابلات الانترنت والبنية النفطية والاقتصادية لبعض دول المنطقة، لزيادة حجم الأضرار الاقتصادية والتكنولوجية، وتكثيف عمليات استهداف القوات والأصول العسكرية الأمريكية بهدف إيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوفها.

ويكشف هذا السياق الإقليمي المليء بالتجاذبات وعدم الاستقرار عن بعض الملاحظات المُهمة التي يجب أن نتوقف عندها، وذلك كما يلي:

· قدرة السعودية على تعزيز الردع العسكري في مواجهة الحوثيين، ولا تعني الهجمات التي تعرضت لها عن تآكل الردع السعودي، حيث تمتلك الأخيرة قدرات دفاعية كبيرة، وقد نجحت في التصدي للعديد من الهجمات الإيرانية والحوثية خلال الأشهر الأخيرة، لكن المختلف هذه المرة هو اتساع حجم ونطاق الهجمات، ووجود العديد من المواقع الحيوية التي بحاجة إلى التأمين.

· نفذت قوات تحالف دعم الشرعية عملية عسكرية ضد بعض المواقع النفطية التي يُسيطر عليها الحوثيون، وقد مثلت هذه الخطوة رسالة مزدوجة للحوثيين، فهي تعني أن بعض المنشآت في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تُعد هدفًا محتملًا ومشروعًا، لا سيما مع الهجمات التي تعرضت لها المنشآت النفطية والمطارات السعودية، وبالتالي فإن استمرار هذه الهجمات الحوثية سيفرض عليهم تكلفة مرتفعة، وفي الوقت ذاته امتلاك قوات التحالف قدرة عملية على وقف التدفقات المالية والتمويلية واللوجيستية للحوثيين.

· التصرف المسؤول لقوات التحالف، حيث تحرص بصورة كبيرة على تجنب وقوع ضحايا بين المدنيين، واتخاذ كافة الاحتياطات الممكنة لتحقيق هذا الهدف أثناء مراحل تخطيط وتنفيذ العمليات العسكرية، بدليل صدور تحذيرات للمدنيين لإخلاء المواقع والابتعاد عنها، وذلك قبل استهدافها. في المقابل، أدت الهجمات الحوثية على الأصول المدنية مثل مطار الملك خالد إلى سقوط ضحايا بين المدنيين.

· تزايد حجم الدعم للسعودية بعد الهجمات الحوثية، فهي ليست وحدها كما يروج له البعض، ويُستدل على ذلك بصدور العديد من البيانات الرسمية من قبل الأطراف الإقليمية والدولية التي أدانت هذه الهجمات، كما أصدرت دول المجموعة الرباعية التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان بيانًا مُشتركًا، أكدت فيه على أن الهجمات الحوثية لا يمكن تبريرها أو قبولها تحت أي ذريعة، وتضامنها الكامل مع السعودية ودعمها للإجراءات والخطوات المشروعة التي تتخذها لمواجهة هذه الهجمات، وردع مصادر التهديد.

· أن ما تواجهه السعودية في الوقت الراهن لا يتعلق بها وبأمنها فحسب، ولكن أيضًا الأمن الإقليمي والدولي، فقد توجد انعكاسات واسعة النطاق للهجمات الحوثية على السعودية، أو الهجمات الإيرانية المُحتملة على البنى التحتية التكنولوجية، هذه الانعكاسات التي لن تقتصر على تضرر الأصول المادية، فقد تمتد إلى الاستثمارات والتمويل الموجه لقطاع التكنولوجيا العالمي ومشروعات الذكاء الاصطناعي.

· الضمانات الدفاعية الأمريكية أمام اختبار صعب ودقيق، حيث أن عدم تلبية المتطلبات والشواغل الأمنية للسعودية ومختلف الشركاء الإقليميين سيأتي بتكلفة استراتيجية باهظة بالنسبة للولايات المتحدة، حيث ستتقلص الثقة في الأخيرة، وسيتعزز اتجاه دول المنطقة نحو التحوط الاستراتيجي وبناء شراكات دفاعية جديدة. ويعني ذلك أن الولايات المتحدة تواجه وضعًا مُعقدًا، فهي مطالبة بإثبات مصداقيتها، والإسهام في حماية حلفائها، وفي نفس الوقت منع الانزلاق إلى حرب إقليمية ومواجهات شاملة.

· أصبح الارتباط الإيراني الحوثي أكثر بروزًا ووضوحًا، وتحول بمرور الوقت من الاستناد إلى أسس عقائدية إلى كونه تعبيرًا عن تلاقي المصالح الجيوسياسية، حيث أن تعرض إيران لضربة أمريكية قاسية قد يؤدي إلى إطلاق سلسلة من التصعيد في نطاقات أخرى، بما في ذلك اليمن ومحيط باب المندب، هذه المنطقة التي لن تكون بمعزل عن الحزام المشتعل.

· تعدد جهود وقنوات الوساطة المُحتملة، حيث أشار الرئيس الأمريكي “ترامب” إلى إمكانية تدخل تركيا للمساعدة على تهدئة الأوضاع، كما يعني ذلك وجود رغبة أمريكية في إحداث فصل عملي بين مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي تلعب فيها باكستان وقطر دورًا كبيرًا، وبين مسار التهدئة بين السعودية والحوثيين التي قد تمثل تركيا القناة الأبرز فيها، وذلك في مواجهة المقاربة الإيرانية التي تُفضل ربط المسارات بعضها بعضًا.

ختامًا، فإن التطورات الإقليمية تُثير أهمية بناء موقف عربي مُوحد وواضح تجاه كافة التهديدات التي تؤثر بالسلب على أمن واستقرار الدول العربية، وعلى النظام الإقليمي بأكمله. إن الأوضاع الراهنة تتطلب دورًا أكبر من الاشتباك والانخراط السياسي لجامعة الدول العربية، وتطويرًا جادًا لآليات العمل العربي المشترك، وبناء منظومة ردع شاملة لمواجهة التحديات الإقليمية.

general-Tarek-abd-El-azeem
أكتوبر 2026، معركة التنمية والعبور الثاني للجمهورية الجديدة
general-Tarek-abd-El-azeem
إعادة تدوير الخيارات بين واشنطن وطهران
general-Tarek-abd-El-azeem
المواجهات في باب المندب، أي مُقاربة مُستقبلية مطروحة؟
general-Tarek-abd-El-azeem
ما بعد حرب الناقلات: هل تتسع المواجهة الأمريكية الإيرانية؟
Scroll to Top