تتزايد التحذيرات من ارتفاع حجم الدين العالمي، خاصة مع تنامي استدانة الدول الغنية والشركات من أسواق الدين العالمية، ومع استمرار الصدمات العالمية، بدءًا من عام 2020 حتى الحرب على إيران في فبراير 2026، يُواجه الاقتصاد العالمي حالة من عدم اليقين، وتراجع القدرة على التعافي، وبالتالي قد يعمق ذلك من حالة الهشاشة المالية التي بالتبعية ستسرع من حدوث أزمة ديون عالمية.
تطورات ملموسة:
تكشفت بيانات صندوق النقد الدولي أن إجمالي الدين الحكومي العالمي قد بلغ نحو 111 تريليون دولار خلال عام 2025، ارتفاعًا من 49 تريليون دولار في عام 2010، ويمثل نصيب الدول المتقدمة ثلثي هذه الديون[1]، ويُرى أن ذلك الرقم مرشح للزيادة في عام 2026 بسبب الضغوط على الاقتصادات نتيجة اضطرابات الطاقة والنقل، وتباطؤ النمو، واستمرار مستويات التضخم المرتفعة، بما قد يدفع الحكومات لمزيد من الاقتراض لضبط أوضاعها المالية، ويُدلل على ذلك توقعات صندوق النقد بتجاوز الدين الحكومي العالمي 100% من إجمالي الناتج المحلي العالمي بحلول عام 2029 ارتفاعاً من نحو 94% في عام 2025[2].
في هذا السياق، شددت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي “كريستالينا جورجيفا” في أكتوبر 2026، خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، على ضرورة تحرك الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغنية بصورة عاجلة لمعالجة الارتفاع المتزايد في مستويات الدين العالمي الذي يثقل كاهل البلدان منخفضة الدخل بصورة أكبر، ويزيد الضغوط على النظام المالي العالمي، داعيةً إلى تحسين إدارة المالية العامة، في ظل ارتفاع عوائد السندات وتزايد الضغوط على الحكومات.
وقد كشف تقرير لمعهد التمويل الدولي عن ارتفاع الدين العالمي إلى مستوى قياسي بلغ 365.5 تريليون دولار في النصف الأول من عام 2026، وسط توقعات بارتفاع الاقتراض مدعوماً بالإنفاق الحكومي وموجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ورأى التقرير أن الديون السيادية أصبحت قضية سياسية أكثر منها قضية مالية، وأن الحكومات عالقة في “حلقة مفرغة” تربط بين الانتخابات والحلول السريعة قصيرة الأجل، وحالة من الهشاشة على المدى الطويل[3]، ويُشار إلى ارتفاع حجم الدين العالمي بنسبة 40% بين عامي 2020 و2026، وهو ما يوضحه الشكل رقم 1.
شكل رقم (1): تطور الدين العالمي بين عام 2020 والنصف الأول من 2026

المصدر: رحمة الدمرداش، “ديون العالم تتجاوز 365 تريليون دولار للمرة الأولى رغم ارتفاع كلفة الاقتراض”، الشرق Bloomberg. 23 سبتمبر 2026. متاح على: https://tinyurl.com/57s52axt
كما كشف تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن الدين العالمي لعام 2026، أن حجم إصدارات السندات السيادية والمخزون القائم منها في دول المنظمة قد وصل إلى مستويات قياسية، بينما أصبحت احتياجات إعادة التمويل تمثل الجزء الأكبر من الاقتراض الإجمالي، متوقعة اقتراض حكومات والشركات في الدول الأعضاء بالمنظمة 29 تريليون دولار من السوق العالمي في عام 2026، بارتفاع نسبته 17% عن عام 2024[4].
مخاطر متنامية:
تزداد مخاطر نمو الدين العالمي، سواء حكومي أم خاص، في ظل الصدمات المتلاحقة منذ جائحة كورونا، مما يزيد حاجة الدول والشركات لمزيد من الاقتراض في مواجهة ارتفاع الأسعار لتلبية احتياجاتها، ويجعل دول العالم أكثر عرضة للدخول في حلقة “المديونية الخبيثة” (ديون حالية تؤدي إلى توليد ديون جديدة بشكل مستمر، بما يُسفر عن الوقوع في حلقة متراكمة يصعب الخروج منها)، ويزيد من احتمالات دخول السوق العالمي في “حرب أسعار الفائدة”، وبالتالي فإن تنامي الدين العالمي قد يؤدي إلى الآثار السلبية التالية:
1- ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام: يؤدي صعود أسعار الفائدة وعوائد السندات إلى تضخم تكلفة سداد الديون الحكومية.
2- تآكل الموازنات العامة: تلتهم مدفوعات الفوائد حجماً متزايداً من الإيرادات الحكومية على حساب الإنفاق الحكومي الاستثماري والتشغيلي، أي أن الاقتراض يُوجه لتمويل ديون حان آجال سدادها وليس لدعم التنمية.
3- استمرار الضغوط التضخمية: تضعف الديون المرتفعة من قدرة البنوك المركزية على السيطرة على التضخم واستقرار الأسعار، في ضوء التحسب من أن رفع سعر الفائدة سيؤدي لارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي.
4- تراجع التصنيفات الائتمانية: تتزايد المخاوف بشأن الجدارة الائتمانية للدول في ظل أعباء الديون المتزايدة، فقد تواجه العديد من الدول تحديات في الوفاء بالتزاماتها بسبب تنامي عبء الدين وخدمته، بما قد يُسفر عن خفض تصنيفها الائتماني، والذي في المقابل قد يدفعها لرفع سعر الفائدة نظير المخاطر المتزايدة.
5- الضغط على سوق المال العالمي: تتزايد مخاطر انتقال الأزمات المالية من دول أو مناطق عبر النظام العالمي، ويُشار في هذا الصدد إلى أزمة ديون أمريكا اللاتينية في الثمانينات، والتي أدت إلى الضغط على النظام المالي العالمي.
6- انفجار أزمة الديون: لا يُستبعد أن تشهد الفترة المقبلة حالات تعثر عن السداد، بما يحدث صدمة في سوق المال العالمي، وقد يتبع ذلك رفع أسعار الفائدة بشكل أكبر لمواكبة المخاطر المترتبة على عدم السداد في الآجال المستحقة، بما يصعب من الاقتراض من السوق العالمي.
وتتزايد المخاطر في سوق الدين العالمي مع اتساع رقعة المديونية لتشمل عدة أقاليم جغرافية، بما يصعب احتواء اندلاع أي أزمة، فعلى سبيل المثال، تم احتواء أزمة ديون أمريكا اللاتينية في الثمانينيات من القرن الماضي، كما تم التعامل مع أزمة النمور الآسيوية في التسعينيات، لكن حدوث أزمة دين عالمي في عدة مناطق في نفس الوقت قد يكون لها تداعيات يصعب السيطرة عليها، هذا ويوضح الشكل التالي مستوى نسب الدين الحكومي من الناتج المحلي الإجمالي حول العالم.
شكل رقم (2): نسب الدين الحكومي من الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم في عام 2026

Source: General government gross debt, International Monetary Fund. Available at: https://tinyurl.com/yz34d5h2
يتضح من الشكل السابق أن العديد من الدول الكبرى والمتقدمة، مثل الولايات المتحدة والصين والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا وكندا واليابان، تجاوزت نسبة دينها الحكومي من الناتج المحلي الإجمالي حاجز الـ100%، وبالتالي، فإنه كلما ازدادت النسبة في هذه الدول، كلما أصبح من الصعب السيطرة على ارتفاع الدين العام العالمي، وبالتالي يتم تأجيل مواجهة تلك الإشكالية للأجيال القادمة، التي ستواجه بالضرورة عبء أكبر للدين العام والارتفاع في تكلفة الاقتراض.
وبالنسبة للدول المتقدمة التي تزداد أعباء ديونها، فهناك مخاطر مترتبة على تزايد اعتماد تلك الدول على سوق الدين العالمي، خاصة مع احتمالات الرفع المستمر لأسعار الفائدة، وبما قد يحدث اضطرابات في سوق الدين العالمي.
ويُشار إلى أنه منذ بداية شهر سبتمبر 2026، شهدت أسواق السندات في عدد من الاقتصادات الكبرى ارتفاعًا ملحوظًا في عوائد الاقتراض، فقد وصل متوسط عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات في دول مجموعة السبع إلى 4.285%، وهو أعلى مستوى منذ منتصف عام 2008 (الأزمة المالية العالمية)، وأعلى 1% عن الفترة ما قبل الحرب على إيران في فبراير 2026[5]، بما يعكس اتساع المخاوف بشأن العلاقة بين ارتفاع حجم الديون الحكومية وتكلفة الاقتراض، وتأثير التوترات الجيوسياسية العالمية، وحالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
في الوقت الراهن، تأخذ أزمة الدين الكامنة شكل التأثير المتفاوت من دولة لأخرى، تاركة “هشاشة” مالية تعطي انطباعاً بأن النظام المالي العالمي ليس بالضرورة على وشك الانهيار الفوري، بل بات أكثر عرضة للتأثر الحاد من أي صدمة قادمة، خاصة مع وجود تباين في كيفية مواجهة السلطات المالية والنقدية لتلك الأزمة، ومع وجود ضغوط سياسية قد تؤخر مواجهتها نظراً لأن لها آثار سلبية تنعكس سلباً على المواطنين (مثل خفض الدعم بهدف تقليص عجز الموازنة الذي يتطلب الاقتراض لمواجهة ذلك العجز).
ويُؤخذ في الاعتبار أن انعقاد انتخابات في العديد من الدول المتقدمة، مثل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر 2026، والانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل 2027، والانتخابات التشريعية في إيطاليا وإسبانيا في النصف الثاني من عام 2027، قد يدفع النظم السياسية لزيادة اقتراضها من الخارج لدعم موازناتها الحكومية واقتصاداتها، بهدف تحقيق مكاسب انتخابية، بما يترك أعباءً أكثر وطأة تتحملها الحكومات المقبلة.
وختاماً، يظل الدين العالمي مشكلة مستدامة لا يمكن مواجهتها إلا عبر إرادة حقيقية من المجتمع الدولي، الذي يتوجب عليه استحداثه آلية تستبق انفجار أزمة الديون، ولكن يتطلب ذلك في البداية تفعيل نادي للمدينين يقوم بوضع رؤية لتلك الآلية لضمان تحقيق مصالح دوله على غرار نادي باريس، لأن التعثر في السداد بشكل متزايد سيؤدي إلى أثر سلبي يُعرف بتأثير “الدومينوز”، بما يهدد استقرار النظام المالي العالمي بأكمله، ومن المهم ألا يتوقف الأمر على شطب جزء من ديون الدول الفقيرة والنامية، بل أن يتم تحويلها لاستثمارات تدعم اقتصاداتها لتصبح أكثر استقلالية، وتقوم بسداد ديونها بمفردها مستقبلًا، بما يقلص الطلب العالمي على الاستدانة.
كما يُشار إلى أن الاقتصاد العالمي سيواجه تهديدات جمة في حالة انفجار أزمة ديون عالمية جديدة، لأن العالم ليس مؤهل حالياً لمواجهة تلك الأزمة الكامنة، ومع الأخذ في الاعتبار أن الهشاشة المالية التي تعاني منها الكثير من الدول قد تتحول لهشاشة مالية مستدامة وأعمق، وقد تدخل دول جديدة تحت مظلة تلك الهشاشة، ليدخل العالم فيما يعرف بـ “فخ الهشاشة المستدامة”، لتصبح الديون أزمة هيكلية وليست عابرة، وتصبح ظاهرة تبرز كل حين، يصعب علاج جذورها.
[1] “A World Of Debt Report 2026”, UN Trade and Development (UNCTAD). Available at: https://unctad.org/publication/world-of-debt
[2] “Fiscal Policy under Pressure: High Debt, Rising Risks”, International Monetary Fund, Fiscal Monitor Report. April 2026. Available at: https://www.imf.org/en/publications/fm/issues/2026/04/15/fiscal-monitor-april-2026
[3] “A Debt-intensive Future—and Growing Risks for Global Markets”, Institute of International Finance, IIF Global Debt Monitor. 23 September 2026. Available at: https://tinyurl.com/fxs2p77a
[4] “Global Debt Report 2026: Sustaining Debt Market Resilience Under Growing Pressure”, The Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). 4 March 2026. Available at: https://tinyurl.com/5n7rx2sk
[5] Tom Westbrook and Amanda Cooper, Global bond yields hit fresh highs, raising stakes for big borrowers, Reuters, September 15, 2026, at: https://tinyurl.com/3b7zfv5z

