أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عن تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، فاتحًا نافذة زمنية إضافية بانتظار تقديم إيران لمقترح موحد يُنهي حالة الانسداد السياسي، وبينما عكس هذا الإعلان الأمريكي مرونة تكتيكية تجاه مطالب باكستان الساعية لاحتواء التصعيد، فإن “ترامب” أرفقه بصرامة استراتيجية، عبر تأكيده أن الولايات المتحدة ستواصل حصار الموانئ الإيرانية، مما يخنقها اقتصاديًا قبل أي جولة تفاوضية محتملة.
لقد أشار الرئيس “ترامب” إلى إن إيران تنهار ماليًا بسبب إغلاق مضيق هرمز الحيوي، وأنها تريد فتحه على الفور، وذلك بالتزامن مع تأكيد الحرس الثوري الإيراني استعداده لمواجهة أي عدوان جديد، وأنهم سيوجهون ضربات ساحقة لما تبقى من أصول “العدو” في حالة تجدد القتال. وبعد ساعات من تمديد وقف إطلاق النار، شدد “ترامب” على استمرار الحصار الأمريكي، مؤكدًا أن إلغاءه سيقوض أي فرصة للتوصل إلى اتفاق سلام.
وبالنظر إلى طبيعة الموقف في إيران، فمن اللافت أن الدبلوماسية الإيرانية تتحرك في مسارٍ متوازٍ مع التصعيد العسكري، حيث يتم تصنيف الحصار البحري كعمل حربي لإضفاء الشرعية على أي رد إيراني عسكري قادم وتصويره كدفاع عن النفس. كما يبدو أن إيران تعتمد استراتيجية “التفاوض المنتج أو القطيعة”، وهو ما برز في رفضها لمحادثات باكستان ما لم تقترن بنتائج ملموسة، معتبرةً أن تمديد وقف إطلاق النار من قبل الولايات المتحدة هو مناورة للمباغتة وليس للسلام.
تستهدف إيران من هذا التشدد الدبلوماسي إيصال رسالة مفادها أن إيران لن تقبل مماطلة جديدة تثبت الحصار مقابل وقف القصف، بل تسعى لانتزاع اعتراف بموقعها كطرف منتصر يفرض شروطه، كما يكشف خطاب الرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان” والحديث عن إعادة فتح سوق الأوراق المالية عن عمق الأزمة الهيكلية التي يواجهها النظام الإيراني، حيث لم تعد المواجهة مع عدو واحد بل مع تحالف دولي يستنزف الداخل اقتصاديًا. وتمثل المواجهات في سيستان وبلوشستان ضد “جيش العدل” ثغرة استنزاف أمني في هذا التوقيت الحرج، حيث تحاول إيران احتواءها بسرعة لمنع تشتيت القوة العسكرية. وبشكل عام، فإن إيران تستهدف بلوغ الحد الأقصى من المكاسب لتقديمها لجمهورها الداخلي على أنها “انتصار”، أو الحد الأدنى الذي يمكن القيادة من طرحه بأن إيران “لم تُهزم”.
في المقابل، يعكس الموقف الأمريكي تجاه إيران في المرحلة الراهنة مزيجًا واضحًا من الضغط الأقصى والتكتيك التفاوضي المرن، حيث تسعى إدارة “ترامب” إلى إعادة تشكيل بيئة التفاوض عبر رفع كلفة الرفض الإيراني لأي تسوية. فالتحركات الأمريكية، سواء عبر الحصار البحري أو التهديد باستهداف البنية الاقتصادية الحيوية، تُشير إلى استراتيجية تقوم على خنق الموارد المالية تدريجيًا لدفع إيران نحو تقديم تنازلات، دون الانزلاق الفوري إلى مواجهة عسكرية واسعة، ومثل هذا النهج يعكس إدراكًا بأن الأدوات الاقتصادية، إذا ما استُخدمت بكثافة وتنسيق، قد تحقق أهدافًا سياسية بتكلفة عسكرية أقل.
كما يتضح أن الولايات المتحدة تعتمد على استراتيجية حافة الهاوية المحسوبة، حيث يتم الجمع بين التهديد باستخدام القوة مع استهداف منشآت الطاقة أو تشديد الحصار وترك باب التفاوض مفتوحًا بشروط مشددة. وهذه الاستراتيجية تهدف إلى إجبار إيران على الاختيار بين خيارين كلاهما مكلف: إما القبول بشروط تفاوضية أمريكية، أو مواجهة تدهور اقتصادي متسارع قد يمتد إلى اضطرابات داخلية. غير أن نجاح هذا النهج يظل مرهونًا بمدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على تماسك أدوات الضغط، لا سيما في ظل احتمالات التفاف إيران على هذه الضغوط عبر شركاء دوليين أو مسارات غير رسمية.
ومن الواضح أن “ترامب” يسعى عبر نهج تصعيدي إلى فرض استسلام سريع على إيران، لكنه يواجه دولة أكثر صلابة مما كان متوقعًا، ما يترتب عليه كلفة سياسية ودبلوماسية متزايدة على الولايات المتحدة، في ظل تسارع انفصال الولايات المتحدة عن العالم. واللافت أن فريق “ترامب” التفاوضي أصغر بكثير من الفرق السابقة، ولا يضم خبراء تقنيين في الملف النووي، ويعتمد على مهارات تفاوضية تجارية أكثر من الخبرة الدبلوماسية.
ويُثير ذلك الأمر مسألة مهمة تتعلق بطبيعة التحولات في النظام الدولي، وشبكة التحالفات التقليدية للولايات المتحدة؛ حيث بات الحلفاء في حالة ارتباك بشأن نوايا الولايات المتحدة الحقيقية، ويدفع هذا الوضع بدول في أوروبا وآسيا إلى البحث عن شركاء آخرين بدلًا من الولايات المتحدة، والاتجاه نحو الصين لتعزيز التعاون الاقتصادي والطاقة، ويعزز من ذلك الوضع أن التوترات الميدانية والسياسية، بما في ذلك العمليات البحرية الأمريكية ضد سفن يُشتبه بارتباطها بإيران، إضافة إلى التصريحات التهديدية المتبادلة، قد تؤدي إلى مزيد من العزلة الدبلوماسية للولايات المتحدة حتى بين أقرب حلفائها في أوروبا.
في ظل هذا السياق المتغير بشدة، يتضح وجود قلق كبير داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من استغلال إيران لفترة الهدنة لإعادة تنظيم وترميم منظومة الصواريخ الباليستية التي تضررت خلال الأسابيع الماضية. وتصر إسرائيل على أن أي اتفاق يجب أن يتضمن قيودًا صارمة على إنتاج الصواريخ، وهو ما ترفضه إيران، ويخلُص التقييم الإسرائيلي في الدوائر السياسية والأمنية بأن احتمالات التوصل إلى تفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران محدودة جدًا، وبالتالي فإن العودة للمواجهة العسكرية مجرد مسألة وقت.
كما تترقب أطراف أخرى كيفية تطور الأحداث، فعلى سبيل المثال، تبدو الدول الأوروبية أكثر قدرة على التحرك حين يتعلق الأمر بإدارة التكلفة لا بتغيير مسار الأزمة، ويظهر ذلك بوضوح في الانتقال إلى مناقشة المشتريات المشتركة للغاز، وتقاسم وقود الطائرات، وغيرها من الإجراءات، وهي كلها أدوات تستهدف احتواء الصدمة داخل أوروبا أكثر من التأثير في تطورات الحرب نفسها، ويعني ذلك أن مركز ثقل الاستجابة الأوروبية يتحرك تدريجيًا من السياسة الخارجية نحو إدارة الأثر الاقتصادي واللوجيستي.
إن هذه التطورات المتلاحقة تجعل المنطقة أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسة، وذلك كما يلي:
· يتعلق السيناريو الأول باحتمال نجاح المسار الدبلوماسي – في صورة اتفاق مبادئ – ويعتمد هذا السيناريو على توصل المفاوضين في باكستان إلى “مذكرة تفاهم” ترسم إطارًا للحل الدائم، واستجابة إيران لطلب “ترامب” بتقديم “مقترح موحد” لإنهاء الصراع بشكل دائم، والنتيجة المحتملة هي البدء في رفع تدريجي للحصار البحري مقابل تنازلات إيرانية في الملف النووي وتأمين الملاحة في مضيق هرمز.
· يكمن السيناريو الثاني في حدوث حالة من “الاستنزاف المتبادل”، واستمرار الهدنة رسميًا مع استمرار الضغوط الاقتصادية والميدانية، وعدم قدرة الطرفين على التوصل لاتفاق شامل، مع بقاء الحصار البحري، وما يمنع الطرفين من التصعيد الأوسع نطاقًا هو تزايد المخاوف من تكلفة الحرب الشاملة، ومن شأن تحقق هذا السيناريو استمرار “الانهيار المالي” في إيران كما وصفه “ترامب”، مع استمرار المناوشات الصغيرة والهجمات السيبرانية.
· ينصرف السيناريو الثالث إلى انهيار الهدنة والعودة للمواجهة، وهذا هو السيناريو الأكثر خطورة، وقد بدأت بوادره بالفعل مع تقارير عدة عن هجمات على سفن في مضيق هرمز بعد ساعات من إعلان تمديد الهدنة، إلى جانب الموقف الإيراني الذي ينظر للحصار البحري على أنه “عمل حربي”، ورفضها للتفاوض تحت التهديد، ومع قيام الحرس الثوري بعمليات ميدانية لكسر الحصار، فإنه قد يتم استئناف الضربات الجوية الأمريكية واستهداف البنية التحتية الإيرانية. ويوجد ذلك بيئة مواتية لاتساع رقعة الصراع إقليميًا، وتأثر الجبهات الأخرى، وذلك من حيث اشتعال الجبهات في لبنان أو البحر الأحمر كرد فعل على استمرار الحصار أو فشل المفاوضات وانجرار أطراف دولية مثل الصين وروسيا للتدخل بشكل أكبر لحماية مصالحها.
ختامًا، يمكن القول إن جولات المفاوضات القادمة سترتبط بشكل جوهري بطبيعة التنازلات التي سيقدمها كل طرف، غير أن انعقاد المفاوضات في ظل أجواء من عدم الثقة، وفي ظل ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة، يُشير بوضوح إلى أن الاتفاق الذي قد يتم التوصل إليه لن يكون اتفاقًا شاملًا لإنهاء هذه الأزمة، ولكنه سيكون أحد أشكال إدارتها خلال هذه المرحلة ليس أكثر.
