وصلت الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع مع إيران إلى طريق مسدود مع تعبير الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عن عدم رضاه عن أحدث مقترحات إيران، التي قال إنها في حالة انهيار وإنها بصدد ترتيب أوضاع قيادتها، كما أنها أبلغت الجانب الأمريكي عن رغبتها في فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن.
تأتي هذه التصريحات الأمريكية في ظل سياق يتسم بوجود رغبة أمريكية في عسكرة المشهد الإقليمي، حيث أعلنت الولايات المتحدة عن إرسال آلاف الجنود الإضافيين إلى الشرق الأوسط في إطار تحركات إدارة الرئيس “ترامب” للضغط على إيران، وشملت التعزيزات الأمريكية نحو 6 ألاف جندي، إضافة إلى نحو 4200 عنصر من مجموعة بوكسر البرمائية ووحدة المشاة البحرية الحادية عشر المتوقع وصولها لاحقًا، ليرتفع حجم القوات الأمريكية المشاركة إلى نحو 50 ألف عنصر.
ويتزامن هذا الحشد العسكري الأمريكي – أي كان مسار العمل السياسي والتحرك في مسار التفاوض – بالتزامن مع تحركات أمريكية لتشديد الضغط الاقتصادي على إيران، والاستمرار في فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية بهدف دفعها لإعادة فتح مضيق هرمز وإبداء مرونة أكبر في مسار التفاوض. وذلك في الوقت الذي فشل فيه مجلس الشيوخ الأمريكي – في محاولة جديدة – في الحد من قدرة الرئيس “ترامب” على استخدام المزيد من القوة العسكرية ضد إيران، حيث لم ينجح الديمقراطيون في تمرير مشروع قرار يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس “ترامب” بعد تصويت انقسم إلى حد كبير على أسس حزبية، بواقع 46 صوتًا مؤيدًا مقابل 51 صوتًا معارضًا، الأمر الذي يسمح للرئيس “ترامب” باستمرار الحرب.
كما يتزامن أيضًا مع بروز محاولات أوروبية للتهدئة واحتواء التوتر مع الولايات المتحدة على خلفية الحرب ضد إيران، الأمر الذي عكسه خطاب ملك بريطانيا “تشارلز الثالث” أمام الكونجرس الأمريكي، الذي حمل لغة رمزية هادئة ودافئة، وأكد على أهمية التحالف الأمريكي الأوروبي. أما على الصعيد الإيراني، فقد عكست التحركات الدبلوماسية المكثفة لوزير الخارجية “عباس عراقجي” في روسيا محاولة إيرانية جادة لكسر الجمود السياسي، فبينما تُظهر إيران قوة تحالفها مع روسيا للحصول على غطاء دولي ودعم لجهود وقف الحرب، فإنها ترسل في الوقت ذاته إشارات مرنة للغرب، عبر تسريبات عن تنازلات محتملة في الملف النووي، ويهدف هذا المسار المزدوج الذي تنتهجه إيران إلى مقايضة التهدئة العسكرية بفتح مسار تفاوضي جديد مع الولايات المتحدة، مستعينة بروسيا كشريك استراتيجي يضمن لها ألا تخرج من الحرب خالية من المكاسب.
وبالرغم من أن أكثر السيناريوهات تفاؤلًا يتوقع أن يتم التوصل لاتفاق إطاري عام على أن يتم صياغة التفاصيل فيما بعد في تفاهمات جزئية، فإن الإشكالية الحقيقية التي تبدو في الأفق هي تصميم الإدارة الأمريكية على المضي قدمًا في اتباع استراتيجية تفاوضية سياسية من جانب، مع التمسك بالخيار العسكري من جانب آخر، وهو الأمر الذي قد يُهدد هذه التفاهمات الجزئية المُحتملة، لاسيما أن الجانب الإيراني بارع بالفعل في مواجهة ما قد يُطرح أمريكيًا، بل إن الحشد العسكري الأمريكي المكثف قد يؤدي إلى “تحفظ” و”مكابرة” إيرانية، وقد يدفعها في توقيت معين للعودة إلى مواقفها التقليدية، وإفشال مسار التسوية برمته.
تُشير مجمل التطورات السياسية والعسكرية إلى أن الإدارة الأمريكية تميل إلى استخدام القوة كأداة ردع، خاصةً مع هشاشة وقف إطلاق النار، كما أن التصعيد العسكري – وبصورة أكبر – ما زال مطروحًا على الطاولة، بالرغم من كل ما يجري من تطورات تتعلق بالتهدئة واستمرارها. ومع أن إيران لديها قدرات على التكيف مع العقوبات عبر آليات بديلة، فسيظل الرهان الأمريكي بأن الضغوطات الاقتصادية والعسكرية قد تدفع إيران إلى تقديم مزيد من التنازلات، أو أن تؤدي إلى اضطرابات حقيقية في الداخل الإيراني.
إن استمرار تلويح الإدارة الأمريكية بالعودة إلى تبني الخيار العسكري يعني بوضوح أن القضية لم تعد مقتصرة على فتح أو غلق مضيق هرمز – الذي لم يعد مدخلًا تكتيكيًا كافيًا للتفاهم – ولكن التعامل مع الحالة الإيرانية بأكملها، ومحاولة تحييد قدراتها وتطويق مسارات تحركها، ومنع تحول إيران إلى قوة نووية، واستخدام هذا الهدف لإعادة ضبط سلوكها الإقليمي، وتُفيد هذه المقاربة الأمريكية في طمأنة شركاء الولايات المتحدة – خاصة إسرائيل – وتؤكد على أنها لن تقبل تسوية جزئية قد تُهدد أمنهم، وفي الوقت ذاته توجه رسالة مباشرة لإيران بأن أي اتفاق يجب أن يكون شاملًا.
ولقد جاءت هذه المقاربة الأمريكية كنتيجة لما كشفه الصراع الراهن من وجود تأثير واسع للسياسات الإيرانية، فالصراع لم يعد ثنائيًا، بل أصبح صراعًا أكبر نطاقًا، من حيث عدد الأطراف المتداخلة فيه، وتأثيراته التي تجاوزت حدود منطقة الشرق الأوسط لتمتد إلى العالم بأكمله، ويكفي أن نُشير هنا إلى الارتدادات السلبية للصراع على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. يُضاف إلى ذلك أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي المكثف يُتيح للولايات المتحدة إقامة الردع وتضييق الخناق على إيران خاصةً في المراحل التالية لأي تفاهمات قد يتم التوصل إليها.
ختامًا، يبقى التأكيد على أن الرئيس “ترامب” أمام عدة خيارات، الأول: إبقاء الحصار ورفض وقف إطلاق النار بشكل كامل، بحيث يتم استئناف العمليات العسكرية لتحقيق أهداف متعددة، تتمثل في تحسين شروط التفاوض إلى محاولة إضعاف النظام الإيراني بصورة أكبر، وربما دفعه نحو تصدعات داخلية. الثاني: الجمع بين الحصار ووقف إطلاق النار ومواصلة التفاوض، ويبدو ظاهريًا أن هذا الخيار أقل من ناحية التكلفة العسكرية، لكنه يحمل خطر الانزلاق إلى نزاع مجمد حيث لا توجد حرب شاملة ولا يوجد اتفاق نهائي، مع بقاء القوات الأمريكية في المنطقة، واستمرار إغلاق مضيق هرمز أو اضطراب حركة الملاحة فيه. الثالث: قبول صفقة ضيقة، تقوم على إعادة فتح مضيق هرمز مقابل تخفيف أو رفع الحصار، مع ترحيل الملفات الحرجة إلى مراحل لاحقة. وفي كل الأحوال، فإن الواقع الراهن يفرض على دول المنطقة إجراء مراجعات سياسية وأمنية، تهدف لتحجيم أي تهديدات ناشئة، خاصةً أن الترتيبات الأمنية والاستراتيجية التي قد يتم التوصل إليها بين الولايات المتحدة وإيران – بصرف النظر عن إطارها أو مضمونها – ستؤثر على أمن المنطقة بأكملها.
