رسائل الردع الإقليمية ومخاوف تمدد الحرب لنطاقات جديدة

29/07/2026

أعلنت القوات المسلحة السعودية أنها نفذت بالتنسيق مع القيادة المركزية الوسطى الأمريكية ضربات نوعية محددة ضد أهداف تابعة للميليشيات الإيرانية المتواجدة على الأراضي العراقية والمرتبطة بالاستهدافات على المنشآت البترولية في السعودية. وهي المرة الأولى التي تعلن فيها السعودية مسئوليتها عن تنفيذ ضربات داخل الأراضي العراقية، وذلك منذ بدء التصعيد الأمريكي الإيراني في فبراير 2026. وجاءت الضربات السعودية – الأمريكية في ظل استمرار استهداف الحوثيين للسفن والأراضي السعودية خلال الأيام الأخيرة، حيث أعلنوا عن استهداف ناقلة النفط السعودية “NCC GHAZAL”، كما هاجموا عدد من نقاط إمدادات ونقل النفط الخام من شرق السعودية إلى ينبع.

تكشف هذه التطورات عن أن السعودية تنتهج مبدأ “الرد المتناسب” في ردود الفعل على الهجمات التي تستهدفها من العراق أو اليمن، وقد أكدت بياناتها الرسمية على هذا المبدأ، وأن ليس لديها النية للتصعيد، لكنها سترد على أي هجمات تتعرض لها. ويُثير تنفيذ الضربات على الميليشيات في العراق ملاحظتين مهمتين، تتعلق الأولى بقدرة السعودية على التحكم في تطورات الموقف، واختيار نطاق الضربات، حيث هاجمت الميليشيات في العراق في الوقت الذي لم توجه فيه ضربات للحوثيين، وربما يؤشر ذلك على الرغبة السعودية في إفساح المجال لمحاولات التهدئة مع الحوثيين. وتنصرف الثانية إلى تطور القدرات الهجومية السعودية، حيث تم تنفيذ الضربات على نطاق واسع وشملت العديد من الأهداف في أكثر من محافظة عراقية وأوقعت خسائر كبيرة، ويأتي ذلك بالتزامن مع تطور القدرات الدفاعية السعودية أيضًا، حيث تُشير التقديرات إلى أن السعودية استطاعت التصدي لغالبية الهجمات التي طالت أراضيها منذ بدء التصعيد الإقليمي في نهاية فبراير 2026.

وتتزامن هذه الضربات مع سياق إقليمي يتسم باستمرار مظاهر عدم الاستقرار، حيث لا تزال حركة الملاحة عبر مضيق هرمز محدودة للغاية، وتعبر أعداد قليلة فقط من السفن، في ظل استمرار تهديدات إيران للسفن التي تحاول المرور دون موافقتها، بما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، وارتفاع تكاليف التأمين على السفن في البحر الأحمر وسط مخاوف جدية من تضرر طويل الأمد لإمدادات النفط من منطقة الشرق الأوسط.

ومن الواضح أن الولايات المتحدة تحاول توظيف الأثر الاقتصادي للحرب لإجبار إيران على تقديم التنازلات السياسية والنووية المطلوبة، خاصةً أن الضربات ضد إيران قد أدت إلى إضعاف وإنهاك قدراتها العسكرية، وبالتالي فإن الاعتماد بصورة أكبر على تعزيز النزيف الاقتصادي لإيران قد يُسهم في تقويض قدرتها على الصمود والتماسك الداخلي، وكذلك الحد من القدرة على دعم حلفائها في المنطقة، وذلك دون الحاجة لإقدام الولايات المتحدة على خيارات عسكرية مكلفة ماديًا وسياسيًا وبشريًا.

وقد تزامن هذا الضغط الاقتصادي الأمريكي على إيران مع ظهور بعض المساحات المحدودة للتهدئة وتجسير الهوة بين المواقف المتعارضة، حيث أشار الرئيس “ترامب” إلى أن المحادثات مع إيران تسير بشكل جيد، كما أكد السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة “مايك والتز” أن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أوقف الهجمات على إيران لمنح فرصة للمحادثات، ويتزامن ذلك مع تأكيدات أخرى بأن الولايات المتحدة تمتلك مخزونًا من الذخائر أكبر مما تحتاج إليه، وأن تعليق الضربات يرجع إلى المفاوضات، ولعل ذلك ما يُفسر تهديد الرئيس “ترامب” باتخاذ إجراءات عسكرية واستهداف البنية التحتية الإيرانية إذا لم يتم التوصل لاتفاق، وهي رسالة مفادها أنه لا يوجد تراجع في القدرات العملياتية للقوات الأمريكية.

وعلى الرغم من “التعليق المؤقت” للضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن هذا الأمر لم يدم طويلًا، حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” عن قيام قوات الحرس الثوري الإيراني بإطلاق صواريخ باليستية مُتعددة من إيران، في محاولة لشن هجوم مباغت على القوات الأمريكية المتمركزة في الشرق الأوسط، وأنه قد تم اعتراض جميع الصواريخ الإيرانية بنجاح، يعني تزايد احتمالات عودة التصعيد والضربات المتبادلة مرة أخرى.

كما أشارت بعض التقارير إلى قيام سلطنة عُمان بتقديم مقترحًا جديدًا لإيران بخصوص إدارة مضيق هرمز، يقوم على إنشاء آلية إقليمية مُشتركة لإدارة المضيق مع وجود رسوم طوعية، وأن هذا المُقترح يحظى بدعم إقليمي. إلا أن هذا المُقترح قد قوبل برفض إيراني، يكشف بوضوح وجود رغبة إيرانية في تعزيز سيطرتها على المضيق، وفرض رؤيتها بشأن كيفية إدارته، والترويج إلى أن المسارات الجنوبية عبر المياه العُمانية تشكل خطرًا على الملاحة.

وفي ذات السياق، فقد عقد الرئيس الأمريكي “ترامب” مباحثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، وقد اتفق الجانبان على هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وقد سبق هذه المباحثات تأكيدات أمريكية بأن الحرب قد جاءت بهدف حماية إسرائيل، ومنع تعرضها لتهديدات وجودية، وهو ما يُشير بوضوح إلى الارتباط العميق بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

وعلى الرغم من هذا الارتباط، فقد أظهر الرئيس الأمريكي “ترامب” انزعاجه من التحفظات الإسرائيلية بشأن إمداد تركيا بمقاتلات “F 35” بدعوى أن ذلك سيخل بميزان القوى في الشرق الأوسط، حيث أكد “ترامب” على أن القرار في هذه المسألة يرجع إليه. ويعكس ذلك الأمر حقيقة أن الولايات المتحدة تعمل على الفصل بين التزاماتها الأمنية تجاه إسرائيل وإدارة علاقاتها الدفاعية مع حلفائها الإقليميين، وأن حرص الولايات المتحدة على تفوق إسرائيل العسكري في المنطقة، لا يعني منح الأخيرة حق الاعتراض على جميع القرارات الأمريكية المتعلقة بالتعاون الدفاعي مع شركاء آخرين.

ختامًا، يبدو أن الولايات المتحدة ما تزال تحتفظ بأكثر من خيار سياسي واقتصادي وعسكري في إطار تعاملها مع الوضع في الشرق الأوسط، وتتنقل بين هذه الخيارات وفق التطورات الميدانية وحدود الاستجابة الإيرانية، لكن هذه الخيارات قد تتعرض لاختبارات وضغوط حقيقية، خاصةً مع اتساع نطاق التصعيد الإقليمي الذي امتد أيضًا إلى العراق.

general-Tarek-abd-El-azeem
مظاهر التصعيد الإقليمي ومساحات التهدئة المحدودة
general-Tarek-abd-El-azeem
مضيق هرمز من ورقة ضغط سياسية إلى محفز للتصعيد مجددًا
general-Tarek-abd-El-azeem
هل المنطقة مُقبلة على انتهاء السلام المؤقت؟
general-Tarek-abd-El-azeem
مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية والاختبارات الجدية
Scroll to Top